بدعة “العبرية”.. قراءة في أسطورة “الشعب العبري”

مريانا بدويةآخر تحديث : الأربعاء 13 سبتمبر 2017 - 11:14 مساءً
بدعة “العبرية”.. قراءة في أسطورة “الشعب العبري”
أحمد الدبش

دونما حياء، بكثير من الاطمئنان، ابتكر دارسو الغرب فكرة “العبريين” كجنس، وكعادتنا، فإن حراس الفكر الآسن من الأكاديميين العرب، سلموا بذلك على الفور دون أي نقاش أو سجال حول صحة هذا المفهوم، واخترق وعي الإنسان العادي بمفاهيم أقل ما يقال عنها أنها غير علمية، كما تنضح تصريحات قادتنا ومثقفينا ووسائل إعلامنا بمختلف ضروبها وألوانها وإنتماءتها القومية والسياسية، بمصطلحات منها “اللغة العبرية”، “الشعب العبري”، “الدولة العبرية” للدلالة على الكيان الصهيوني في بلادنا فلسطين.

والمطلع ولو قليلاً، على النصوص الآثارية يرى جيداً أن هذا التسليم المطمئن ينطوي على مغالطات تاريخية فمعظم الذين كتبوا في هذا الموضوع أشاروا إلى وجود موجة لأناس يسمون “العبريين” دون دليل اللهم إلا الدليل التوراتي وغير الكامل في هذه النقطة، هذا الدليل الذي لا يركن إلى صدقه، وينقسم “علم نقد التوراة” بخصوص معنى “العبريين”، فبينما يشدد قسم من أهل الاختصاص بأن المقصود اسم جنس لمجموعة إثنية محددة، انتسب لجد أعلى اسمه (عابر/ عبر).

ومما شجع بعض أهل الاختصاص على التمسك بهذا الرأي وصف التوراة لـ “إبراهيم/ إبرام” بأنه “العبري” كما اكتسب هذا الرأي دعماً إضافياً من التوراة، ومن سفر التكوين (10 : 21) تحديداً لأنه يقول “وَسَامٌ أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ”، وكذلك يذكر جداً أعلى باسم “عابر/ عبر”، الذي هو ابن شالح، “وَشَالَحُ وَلَدَ عَابِرَ “ـ سفر التكوين (10: 24). ومن المهم الآن التذكير بأن المصطلح “ء برم هعبري”، والمترجم إلى “أَبْرَامَ الْعِبْرَانِيَّ” لا يرد سوى مرة واحدة فقط في سفر التكوين (14: 13). نتساءل هنا: هل صحيح أن مفردة “عبري” اسم جنس منسوب إلى “عابر”؟! هناك عقبة في هذا الرأي، ذلك أن إبراهيم (إبرام) لو شاء أن ينتسب إلى أحد أجداده، لكان من البديهى أن ينتسب إلى “سام” أشهر أجداده، وذلك بناء على قراءة سفر التكوين (10: 21 ــ 31) كوحدة متكاملة، “وَسَامٌ أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ، أَ

خُو يَافَثَ الْكَبِيرُ، وُلِدَ لَهُ أَيْضًا بَنُونَ. بَنُو سَامٍ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ. وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ وَمَاشُ. وَأَرْفَكْشَادُ وَلَدَ شَالَحَ، وَشَالَحُ وَلَدَ عَابِرَ. وَلِعَابِرَ وُلِدَ ابْنَانِ: اسْمُ الْوَاحِدِ فَالَجُ لأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ الأَرْضُ. وَاسْمُ أَخِيهِ يَقْطَانُ. وَيَقْطَانُ وَلَدَ: أَلْمُودَادَ وَشَالَفَ وَحَضَرْمَوْتَ وَيَارَحَ وَهَدُورَامَ وَأُوزَالَ وَدِقْلَةَ وَعُوبَالَ وَأَبِيمَايِلَ وَشَبَا وَأُوفِيرَ وَحَوِيلَةَ وَيُوبَابَ. جَمِيعُ هؤُلاَءِ بَنُو يَقْطَانَ. وَكَانَ مَسْكَنُهُمْ مِنْ مِيشَا حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَفَارَ جَبَلِ الْمَشْرِقِ. هؤُلاَءِ بَنُو سَامٍ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ كَأَلْسِنَتِهِمْ بِأَرَاضِيهِمْ حَسَبَ أُمَمِهِمْ.” ــ سفر التكوين (10: 21 ــ 31). فمنطقية التسلسل كانت تقتضي وصف عابر بـ “السامي”. لأن التوراة تقول أنه كان “وَسَامٌ أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ”. وفيما عدا هذه الإشارة فإنه لا توجد أي إشارة أخرى إلى شخصية عابر، لا بالنسب ولا بالحديث عن أي دور تاريخي له.

علينا أن نعرف قبل كل شيء أن التاريخ المصنوع للـ”عبرانيين” خارج النصوص التوراتية هو الصمت الكلي المطبق. فلا العمارة ولا الكتابات المنقوشة على الآثار، ولا القوانين والدساتير تكشف أثراً قليلاً للـ”عبرانيين”

يرى اتجاه آخر أنه مصطلح يشير إلى بدو أو أعراب ــ أي اشتقاق من الفعل الثلاثي “عبر”، الذي يرد في العهد القديم بمعنى “عَبَرَ”. أي أن الاتجاه الأخير لا يرى أي أصول عرقية أو إثنية مشتركة للـ “عبريين”، وإنما وصف لحالة اجتماعية محددة.

أمام الصمت المطبق للأثريات كان لزاماً على المنهج التوراتي إيجاد الدليل على وجود “العبريين” ولو كان واهيا ً، فبدءوا في البحث في النقوش القديمة التي تعود لممالك الشرق القديم، والتي تشير إلى مجموعات من الناس عُرفت بأسماء مختلفة مثل [سء. جءز]، [خفيرو]، [خبيرو]، [عفرم]، [عفر. و]، [عابيرو] في النصوص المسمارية في (نوزي، وتل حريري ـ ماري ـ، وتل العطشانة ـ الالاخ ـ، ورأس شمرا ـ أوغاريت ـ، تل العمارنة وغيرها …) واعتقدوا أنهم اكتشفوا فيهم [العبريين]. ولكن هذا الرأي لا يتفق مع غالبية الأبحاث الرصينة المتعلقة بهذه المجموعات، التي لا مجال لذكرها الآن .[وقد ناقشنا ذلك في مؤلفاتنا: كنعان وملوك بني إسرائيل في جزيرة العرب (2005)، بحثاً عن النبي إبراهيم (2016)].

وإذا كان مؤرخونا الأفاضل أصحاب الفكر الآسن، لم يشككوا لحظة في ما تلقنوه، بل رددوه كبغباء في صالون المتحف، فإن أحد المفكرين الغربيين بير روسي، لم يسعه السكوت على هذا الكذب التاريخي، فيخصص الفصل الأول من كتابه الرائع “مدينة إيزيس، التاريخ الحقيقي للعرب”، لدحض هذه الفرية مقدماً إيضاحاً موجزاً حول قضية العبرية.. التي ليست إلا وهماً معقداً ومستمراً لشعوذة اشتقاقية لغوية، قد استطاع أن يجر كثيراً من الناس ليروا “العبرانيين”، وفي “ثقافتهم” الأجداد الساميين لتاريخ الشرق، ولتاريخنا نحن (في أوروبا) أيضاً.

إن علينا أن نعرف قبل كل شيء أن التاريخ المصنوع للـ”عبرانيين” خارج النصوص التوراتية هو الصمت الكلي المطبق. فلا العمارة ولا الكتابات المنقوشة على الآثار، ولا القوانين والدساتير تكشف أثراً قليلاً للـ”عبرانيين”. فعلى آلاف النصوص المسمارية أو المصرية التي تؤلف المكتبة المصرية، أو مكتبة رأس شمرا أو نينوى، وحتى في الروايات الآرامية.. في ذلك كله لا تذكر كلمة “عبرية”. وأشهر ملوك التوراة داود وسليمان لم يصبحا قط موضوع وقائع تاريخية، وليس هناك أبداً ذكر للملحمة المعزٌوة لعبور “العبرانيين” وليس هناك أي انقطاع حضاري ثبت بالحفريات التي تمت في فلسطين منذ عام 1880ــ 1925 فالعدم كامل مثلما هو قطعي وجازم.

لنغادر أراء روسي هذه، الجديدة والمفاجئة حتى لنا نحن عرب هذا العصر، ولنغادر كتابه القيم الذي هو جدال موسع محكم حول صحة مقولاته وأطروحاته هذه، ولننظر إلى مفهومنا الديني عن “العبريين” عبر كتاب الله تعالى القرآن الكريم: فهل ثمة ما يشير إلى “العبريين” في القرآن الكريم !؟ لم ترد كلمة “عبري / عبراني” في القرآن الكريم مطلقاً، فقد ورد ذكر “بني إسرائيل” و”قوم موسى” و”اليهود”، ذلك مما يدل على أن العرب في زمن النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لو كانوا يعرفون “العبرانيين” أو “العبريين” لورد ذكرهم في القرآن بهذه التسمية.

لنضف إلى ذلك أن “العبرانيين” مجهولون في الأناجيل، بالرغم من أن هناك رسالة للـ”عبرانيين” في الأناجيل، ولكنها مرفوضة لأسباب مادية من قبل شُرٌاح الكتاب المقدس، مرفوضة لأسباب مادية قبل كل شئ. هكذا لم تكن العبرية إلا بدعة تاريخية لإسقاط جغرافية التوراة على فلسطين ومحيطها، وهذا الإسقاط جرٌ كذباً تاريخياً يهودياً، فعلينا الاحتراس من التمادي في استخدام مصطلح “العبرية” المجهول، الذي يفلت من كل تحليل جاد. وإنه لمن الصعب علينا اليوم أن نعرف “العبرانيين” بواسطة المكان أو الزمان أو بمعونة علم الاجتماع، أو علم الأديان.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-13 2017-09-13
مريانا بدوية