وعثاء السفر

أصيل القيقآخر تحديث : الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 8:35 مساءً
وعثاء السفر

“اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب”

من دعاء السفر، المسند الصحيح – مسلم بن الحجاج

روتْ لي عابرة سبيلٍ ذات مرة وهي تستلقي على فراشي بحذائها ذي الكعب العالي أن والدها كان يُطعمها عنقود العنب حبةً حبة، وهو ما ذكرتْه من باب المناسبة.

بينما كنتُ أفعلُ الشيء ذاته وأنا جالسٌ على طرف الفراش. ما بدد فكرتي عن كون ما أفعله هو التفاني في دلالٍ يليقُ بضيفةٍ فاتنة هو ذِكرُها أن والدها كان يجلبُ لها عنبًا لا بذر له. ثماره بنفسجية ضاربة إلى السواد. لكن ما قتلني حقًا قولها بأن والدها كان يُقشّر لها حبة العنب قبل أن تُقبل شفتيها المثيرتين للحسرة.

لم يكن الرجلُ النائم في المقعد المجاور لي يشخُر بتاتًا. لكن رائحته ظلتْ مستيقظةً في أنفي لدرجةٍ مأساوية باعثة على الأرق. كأنما كنتُ أدخن في تابوت محكم تحت التراب.

ظلتْ السماء تمطر بغزارة طوال الطريق الذي يشق صحراء على غير طقسها، وأنا أحاولُ تذكر ملامح فتاةٍ تحكي لي عن أبيها الذي يقشّر لها العنب. في ذلك الظلام من عصبونات الذاكرة المُطفأة، وبعد انتصاف ليلةٍ بلا قمر. بلا أعمدة إنارة على طول الطريق.

باستثناء ما يعبر على الأسفلت من سيارات. يسبقها ضوءها الأصفر وتتبعها مصابيحها الحُمر. كان من السهل التقاط أي ذرة ضوء في البعيد.

بدتْ لي نجمةً في البداية، وقد انزلق بريقها على الأفق بينما أرمق اللاشيء في سواد النافذة. اختفتْ النجمة لوهلة، وبعد أن عادت عرفتُ أن تلة ما وارتها إلى أن اجتازتها الحافلة. نجمة، أو خيمة بدوي وحيد.

أيًا كانت فقد كان لمعانها يأسرني في ونس من لا يجد صحبةً غير التأمل. شق عتمة السُحب وهلةٌ من البرق سرعان ما التأمتْ.

فيما كانت الموسيقى المنسابة إلى أذني تخفي عني هزيم رعد عاث في الصمت فزعًا خارج الحافلة الضاجة بالأفواه والمسامرات الهشة.

ظهرتْ بضع أعمدة إنارة كانت تفضي إلى نقطة تفتيش. لكن انعكاس مصابيحها على الأسفلت بذلك الشكل الفسيفسائي المتراقص أعطتنا فكرة عن حالة الطقس الذي لم يتوقعه الجنود المختفون داخل سقف النقطة، فرخصوا لنا عبوراً بلا توقف.

بينما تنفجر النوافير تحت عجلات السيارات المسرعة وهي تذبح شرايين الطريق. عادتْ النجمة للبروز لوهلة قبل أن يختفي ضوءها الأعزب في طرف النافذة.

في الوقت الذي بدأتْ تتسلق السماءَ فيه ألسنةُ لهبٍ بدتْ لحقل نفط مهيب. أخذ يلتهم الأفق شيئًا فشيئًا ليتسع ويكبر في مساحة الصورة كلما استمرتْ حافلتنا في حرق المزيد من الوقود، واقتربنا حتى طمس ملامح الصحراء المظلمة.

امتدتْ يدي لإسدال الستار قليلًا وأنا أبحث عن نظرة أخيرة للنجمة البعيدة، فلم أر على زجاج النافذة سوى مرآةٍ أتاحتها مصابيح الإنارة في سقف الحافلة. تعكسُ بشكلٍ أرعبني صورةً لأبي في شبابه.

كنتُ أرغب في نسيان رائحة المسافر النائم التي أورثها ليقظتنا بينما يلتجئ هو لرحاب الغيب. بدتْ لي فكرة الاستسلام للنوم مهربًا مناسبًا للحقيقة المفاجئة بأنني بتُّ أشبه والدي.

بعد أسابيع من التجوال بين مدنٍ لم أجد بين أوقاتها يدًا لحلاقة شاربيّ الكثيفين. كنتُ قد أرخيتُ الموسيقى عني قليلًا بغية توفير طاقة هاتفي.

لولا أن رنّ هاتفُ جاري النائم بنغمة زنانة أزعجتني دون أن توقظه. كأنما تكوّمه جواري بتلك الكتلة الفواحة بالعرق لم يكن كافيًا لإزعاج بصري وأنفي فانضم هاتفه لإفساد السمع.

أمسكتُ بهاتفي متعجلًا وقد ملأني الحسد من نومته الهنيئة التي خلتْ من الكوابيس على ما يبدو، واخترتُ مقطوعة موسيقى إلكترونية بعيدة كل البعد عن صخب ما بعد الحداثة.

على العكس. كانتْ أشبه بقداس جنازة في كنيسة لم يعد حيًا من رعاياها سوى أرملة عجوز وكاهنٌ منسيّ. دوى الأرغن في رثاء ما صار صمتًا، وقطراتٌ من الأنغام جعلتْ من الإيقاع مهدًا يتهدهد بي في فراغٍ من السكينة.

كان حلمًا آخر أتجول فيه بين أزقة دمشق القديمة. أتأبط فيه ليندا التي واعدتها أمام باب القلعة. حيث العجوز الذي تصورناه يتبول من وطأة السكريّ خلف تمثال صلاح الدين الأيوبي لم يكن سوى خرير ما تبقى من نهر بردى.

تمشيتُ وأنا أحتفظ بمسافةٍ بيننا حتى مدخل سوق الحميدية. لم أر أيًا ممن يُروا هنالك عادةً. اختفى ضجيج السوق. المصابيح صفراء خافتة، والأبواب غير الموصدة هي لمحلات مهشمة الواجهة اختفتْ البضاعة بداخلها. صراخاتٌ بعيدة لخيالات خفية، وأصواتُ أقدام تركض كأنما هي لأبناء جار في طابق علوي تضج فوق السقف.

بدأتْ صديقتي تتشبث بذراعي أكثر، ونحن نكمل السير تحت ثقوب السقف الممتد على ممر السوق. آثار رصاصٍ قديم لطالما سرّبتْ خيوط النهار فوق رؤوس المتسوقين والتجار في سوق الحميدية.

رأيناها وقد اتسع الواحد منها كفرج أمٍ نفساء. ملصقات “مِنحبّك” في كل مكان وقد اتسعتْ عليها ابتسامة الرئيس بشيء من التجاعيد. لم نجد عند “بوظة بكداش” بائعًا واحدًا في ظلمة محله سوى ضباعٍ تواقع بعضها في صمتٍ متربص. بينما اختفى الحمَام من ساحة الجامع الأموي.

بدا الجامع موحشًا، وقد صدحتْ أناشيدٌ وطنية من مكبرات الصوت في محرابه بدلًا من جوقة المنشدين. سرعان ما تحولتْ الأغاني بلهجة ساحلية خمنتُ أنها للمغني علي الديك من شدة ما كان مؤديها صيّاحًا.

كانتْ ذات إيقاعاتٍ متكررة ترافقها مزامير راقصة لم أتبين من كلماتها الكثير. عبرنا عن يمين سور الجامع نتعجل الخُطى هربًا إلى باب توما. بنفس الهرولة التي كنا نفتعلها كي نتصيد المخبرين الذين يلاحقوننا وقد تكشفتْ لنا هرولتهم بعد انتظارنا لمقدمهم ضاحكين. مع مرورنا بمتاجر الأشرطة الموسيقية والتذكارات واللوحات المائية.

لم أجد سوى جزارين ملطخين بالشحم والعرق، وباعة متجولون يحملون قطع غيار لدبابات روسية صدأتْ منذ أول معركة في كابول.

عندما توقفنا عند بائع عصير الليمون المثلّج وجدناه بلا رأس. يناول زبائنَ يرتدون زي الفدائيين الفلسطينيين أكوابًا مليئة بالكلاوي والطحالات، وفي حالات نادرة قلوبًا لا تزال تنبض.

كانت ليندا قد التصقت بذراعي تمامًا حتى توائمنا سياميًا. بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة دامعة كمن لا يصدق ما يراه، وعندما وصلنا لساحة باب توما عبر الأزقة المتداخلة كانت المدينة تحترق بألسنة لهب زرقاء.

كتلك التي حول عيون فرن الغاز، وكل سيارات الأجرة التي حاولنا إيقافها كانت لسائقين يرغبون أولًا في المساومة، ومستعدين للقيادة حتى بيروت. عندها بدأتُ بالبكاء بصوتٍ عالٍ فتحولتْ صديقتي لرجل باكستانيّ نائم وعيونٌ في المقاعد الأخرى اتسعتْ لترمقني بدهشة سرعان ما ضاقت وقد بدأ دوي ضحكهم يهشم كل المباني التي رأيتُها في الحلم.

المصدر: الترا صوت

رابط مختصر
2017-10-13 2017-10-13
أصيل القيق