رواية أورشليم.. تاريخ الرعب الإنساني

أصيل القيقآخر تحديث : الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 7:54 مساءً
رواية أورشليم.. تاريخ الرعب الإنساني

ما هو الأكثر إثارة للشفقة والإساءة في نظرك، أن تكون مستبدًا طاغيًا أو ضحية ضعيفة لا حيلة لها، تنتظر فناءها في صمت وخنوع؟ عالم غريب وفكرة قد تراها مريضة نسجها جونسالو إم. تافاريس ببراعة شديدة حتى يتسلل الخوف إلى قلبك والألم إلى روحك، أن تنظر إلى الخلف باحثًا في تاريخ الرعب والشر من خلال التاريخ المكتوب للبشر، لكي تتوقع ما يمكن أن يحدث في المستقبل.

ما هو الأكثر إثارة للشفقة والإساءة في نظرك، أن تكون مستبدًا طاغيًا أو ضحية ضعيفة؟

مشهد واحد لأجساد عارية متلاحمة من نساء ورجال يتراكمون أكوامًا، تتداخل أياديهم وأرجلهم وتحتك أجسادهم ببعضها البعض، مشهد يثير بداخلك الغرائز، مشهد إباحي يعرض جمال الجسد البشري حين يتعري ويقصد الإغراء، هو المشهد ذاته يتحول إلى رعب جم وخوف متنامٍ إذا ما علمت أن تلك الأجساد المتراصة ما هي إلا جثث ميتة مُلقاة بعشوائية، سخرية عجيبة، أن يتحول الجمال إلى خوف لا مثيل له! فلننظر في عالم “أورشليم” ونتعلم أكثر عن الرعب الإنساني والشر الذي لا يموت.

جونسالو إم. تافاريس.. روائي نوبل القادم؟

صدرت رواية “أورشليم” في عام 2005 في البرتغال وظلت غائبة عن أدبنا العربي حتى نقلها إلى العربية المترجمان أحمد صلاح الدين ومحمد عامر العام الماضي، ونُشرت من خلال “دار مصر العربية”. فازت “أورشليم” بـ”جائزة جوزيه ساراماجو”، أشهر روائيي البرتغال وأحد أبرز روائيين العصر الحديث والحاصل على جائزة نوبل، والذي أثنى على الرواية وعلى مؤلفها متنبئًا بحصوله على جائزة نوبل خلال ثلاثين عامًا أو أقل، وأسفه الوحيد أنه لن يكون على قيد الحياة كي يمنحه أحضان التهنئة، توفى ساراماجو في 2010 لتتحقق نصف نبوءته منتظرين تحقق النصف الآخر بحصول تافاريس على نوبل في الأدب.

يقول ساراماجو في مدح تافاريس، إنه يجمع بين جرأة الصك وبراعة استخدام العامية، ويتمتع بخيال خصب أصيل يتجاوز كل حدود الخيال التقليدي، لذلك يتوقف الزمن عند أدب تافاريس، فهناك مرحلة سبقته، ومرحلة تلته، لكنه سيحتل مكانة خاصة في تاريخ الرواية بالبرتغال.

اتفق مع ساراماجو في حديثه عن تافاريس، فمن خلال عالم “أورشليم” تجد فلسفة تافاريس ممزوجة ببساطة السرد وجمال الصور في خيال متفرد من الصعب الوصول إلى مثيل له، عالم سيريالي يضاهي لوحات سلفادور دالي في تعقيدها وغرابتها، إلا أن عالم “أورشليم” لا يحتاج إلى مجهود فكري عظيم كي تصلك الفكرة جلية، فرغم تعقيدات القصة وتزاحم الأفكار إلا أن المُراد إيصاله لا يحتاج طريقًا دائريًا للوصول إلى مراكز وعي القارئ، وهنا كانت عبقرية الكاتب في أن يصنع قصة عظيمة مشبّعة بأفكار موجعة ومراجعات إنسانية عديدة دون أن يتعالى على القارئ بتعقيدات لغوية أو فصول طويلة استعراضية بلا داعِ، عبقرية تافاريس تظهر جلية في بساطة عرضه وخفة أسلوبه.

الشر ينتصر في النهاية!

هل يمكن تصنيف أدب تافاريس بانتمائه للمدرسة الواقعية؟ هل تأثر بفلسفات عدمية سوداوية؟ هل يبدو رومانسيًا ضعيفًا أمام لحظات الحب العابرة؟ عبر عالم “أورشليم” نجد كل ذلك معًا، نجد الواقعية بكل ما تحمله من آلام، ونجد النظرة العدمية للعالم الخالي من أي قيمة حقيقية، ونجد المشاعر الرومانسية متسرسبة بين السطور وعبر الأحداث بين الفينة والأخرى.

في رواية “أورشليم”، يتحدث جونسالو عن عالم مليء بالشرور منذ آلاف السنين

يتحدث جونسالو عن عالم مليء بالشرور منذ آلاف السنين، يبحث في منابع الشر ودوافعه، لا أحد خيّر على الإطلاق، يبرز الجزء الأسوأ في جميع أبطاله وكأنما الإنسان خُلق من أجل الشر والفساد، بطل الرواية هو باحث فيما أسماه “تاريخ الرعب” كرّس حياته كلها من أجل بحث وحيد يسعى لمعرفة نتائجه، هل تزيد أفعال الشر على مر العصور أم تقل أم تستمر بنفس الوتيرة؟ يبحث البطل في تاريخ الشر عبر معسكرات الاعتقال والمجازر البشرية والمذابح التي رصدها التاريخ البشري محاولًا الخلاص إلى مؤشرات نحو المستقبل، يحاول البطل الربط بين الشر أو الرعب والزمن، فحسب رؤيته، إذا كان الرعب البشري في ازدياد بمرور الزمن، فهو مؤشر جيد، ففي النهاية سيأول العالم إلى خلاصه إثر ما يفعله الإنسان، وإذا كان الرعب البشري في نقصان، فهذا يعني احتمالية مستقبل أكثر إنسانية للأجيال القادمة، ولكن الخوف، كل الخوف، أن يكون مؤشر الشر البشري غير متغير بمر العصور، ثبات الرعب الإنساني يعني أنه لا أمل على الإطلاق، لا شيء يمكن أن يتغير!

فلسفة غريبة يستعرضها تافاريس من خلال روايته، والأغرب أن يظهر الشر الكامن في أبطاله من خلال الأحداث الدائرة، لنجد أن بطل روايته الباحث في تاريخ الشر، الساعي نحو عالم أكثر إنسانية، يستخدم نفوذه من أجل التنكيل بزوجته التي أعلنت التمرد عليه، ليضعها بمصحة نفسية جبرًا، ونرى كيف أن العالم الذي نسجه جونسالو ملئ بالشرور الفردية التي يصنعها كل شخص على حدة، لتكون النتيجة المنطقية في النهاية عالم أكثر رعبًا.

يرسم تافاريس الحرب كمقابل للشر والخوف ومدخل لعرض أفكاره، فنجد في “أورشليم” أن الحرب هي أشر الشرور، والمسبب الأول لآلام الإنسان وأزماته النفسية التي لا علاج لها، لنجد أحد الأبطال المعاصرين لأحد الحروب ما زال يعيش بمسدس يحمله في ملابسه، وخوف يلازمه في قلبه، هذا ما تصنعه الحرب في الناجين منها، تنزل الحرب الطعام من خانة الضروريات إلى خانة المحتمل، ففي ساحة المعركة، لا وقت لتناول الطعم، أن تنجو من الرصاص هو الأهم، أن تقتل من يسعى لقتلك هي الضرورة الأولى، في الحرب، لا حاجة لتناول الطعام.

البشر العاديون لا يعرفون أن كل شيء ممكن

تلك إحدى الجمل التي استخدمها تافاريس على لسان أحد الناجين من معسكرات الاعتقال، وربما كانت إحدى الأفكار المراد إيصالها من الرواية، أن يصف المشاعر ويستعرض المخاوف الإنسانية، إن كل شيء ممكن، نجاتك من التجربة لا تعني أنها غير موجودة، وانطلاقًا من تلك الفكرة، اتجه نحو البحث في أسباب الرعب، ما الذي يجعل شخصًا عاديًا يتحول في لحظة إلى مصدر للشر ومحرك للرعب البشري، قد يكون السعي نحو العظمة أو الانتقام من المجتمع أو الرغبة الوحشية في القتل أو ربما محاولة ملئ أوقات الفراغ!

البطالة أو الفراغ كمحرك للرعب، فكرة أخرى غائبة عن الوعي البشري، فالانشغال قد يدفع بأفكار الشر بعيدًا عن عقول البشر، ليصبح الجميع بشرًا عاديين لا يسعون إلى العظمة أو البطولة، فيقول جونسالو في هذا الصدد إنه ربما يختفي الرجال العظماء، ولكن في المقابل سيختفي السفاحون العظام!

قوي مستبد أم ضعيف بريء؟

فكرة أخرى تثير الصداع في الرؤوس، يحاول جونسالو إعادة تعريف مصطلحات “الضحايا” أو “المعتدين” فلا يمكن النظر إلى الدول الضعيفة والشعوب مسلوبة الإرادة على أنهم ضحايا بريئة لطرف آخر معتدِ أو شعب آخر أكثر قوة، لأن هؤلاء الشعوب قد يكونون معتدين على شعوب أخرى أكثر ضعفًا، فليس هناك ما يُعرف بالخير المطلق أو الشر المطلق أو الضحية البريئة أو المعتدي المستبد، فهناك معاناة إنسانية دائمًا ما يدفع ضريبتها الطرف الضعيف.

لا يمكن النظر إلى الشعوب مسلوبة الإرادة على أنهم ضحايا لأنهم قد يكونون معتدين على شعوب أخرى

يخلص جونسالو من رحلته في تاريخ الرعب إلى تنبؤات مستقبلية بقائمة حول الدول المستبدة المسببة لآلام الشعوب الأخري، وقائمة بالدول الضعيفة المعرّضة للمعاناة، قوائم لا يرضى عنها أي من الأطراف، فيظل السؤال عالقًا في الهواء بلا إجابة واضحة، ماذا تفضّل؟ أن تكون مستبدًا معتديًا مسببًا للمعاناة أو أن تكون ضعيفًا تشرب الآلام والأوجاع؟ لا أحد يريد أن يكون ظالمًا ولا أحد يريد أن يكون مظلومًا ضعيفًأ، سؤال حائر بلا إجابة. تلك هي رحلة “أورشليم” بإيجاز، كبسولة صغيرة مليئة بالأفكار الغائبة عن الوعي البشري، تجعل العقل يعمل من جديد وينظر للأمور من زاوية مختلفة وتظل تطارده تلك الأفكار السوداوية لأيام بعد انتهائه من قراءة الرواية، الشيء الوحيد غير الواضح بالنسبة إلي، هو اختيار عنوان “أورشليم” للرواية، فالعنوان يوحي للقارئ بارتباطات مكانية معينة تدور فيها الرواية، وهو ما نكتشف خطأه بعد الصفحات الأولى، لكنه يظل اختيارًا تجاريًا ممتازًا.

المصدر: الترا صوت

رابط مختصر
2017-10-13 2017-10-13
أصيل القيق