سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر في كوبا

أصيل القيقآخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 3:52 صباحًا
سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر في كوبا

كان جيفارا شديد التأثر بمقابلة سارتر، وهو الفيلسوف الذي ترعرع على قراءة كتاباته. أمّا سارتر فقد وقع أسيرًا في حبال شخصيّة “تشي” الآسرة، وعندما اغتيل جيفارا في بوليفيا كتب عنه سارتر: “لم يكن جيفارا مفكّرًا فحسب، بل الانسان الاكثر كمالا في وقتنا المعاصر كله”

“تبقى الماركسية فلسفة عصرنا لأنّنا لم نتجاوز بعد الظروف التي خلقتها”/ جان بول سارتر

قَدِمت سيمون دي بوفوار، الفيلسوفة النسوية الفرنسية، بصحبة رفيقها لفترة طويلة من الزمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، عام 1960 إلى كوبا، بعد فترة وجيزة على انتصار الثورة. وكانت قد دُعيت مع عدد كبير من مثقّفي اليسار العالميّ للمشاركة في مهرجانات واجتماعات ثقافيّة جماهيريّة في كوبا احتفالا بالثورة.

وقد وصلا كوبا في شباط/ فبراير 1960 والتقيا تشي جيفارا وتحدّثا معه لأربع ساعات. وقام سارتر بعد هذه الزيارة بكتابة 16 مقالًا للصحافة الفرنسيّة جُمعت لاحقًا تحت عنوان “العاصفة فوق السُكَر”.

وكان جيفارا من جانبه مُهتمًّا بالفلسفة منذ الصغر، ويُحكى أنه كتب معجمه الخاصّ بالفلسفة بعد أن قرأ فرويد وماركس إنجلس ولينين، وانتقل بعدها لكافكا وكامو وسارتر وغيرهم.

وبدون شكّ، كان جيفارا شديد التأثر بمقابلة سارتر، وهو الفيلسوف الذي ترعرع على قراءة كتاباته. أمّا سارتر فقد وقع أسيرًا في حبال شخصيّة “تشي” الآسرة، وعندما اغتيل جيفارا في بوليفيا كتب عنه سارتر: “لم يكن جيفارا مفكّرًا فحسب، بل الانسان الاكثر كمالا في وقتنا المعاصر كله”.

وكان ألبرتو كوردا (AlbertoKorda) هو من التقط صور الثلاثة معًا، ويظهر توقيعه في أسفل الصورة على طرفها الأيمن. وكوردا هو من التقط أيضًا صورة “تشي” المعروفة التي تطبع عادة على القمصان والملصقات، ويُقال عنها إنّها الصورة الأشهر في العصر الحديث، وبقيت معلقة في مكتبه سنة كاملة من دون أن ينتبه لها أحدٌ، وحازت على شهرة عظيمة لاحقا حين أصبحت من ضمن شعارات “ثورة الطلاب” عام 1968.

وكانت هذه الصورة قد التقطت بعد انفجار باخرة فرنسيّة محمّلة بالأسلحة في ميناء هافانا (كوبا)، والذي أوقع العديد من الضحايا. وهرع جيفارا -وهو طبيب- إلى مكان الحادث، إذ كان في مكان قريب من الميناء في اجتماع يرأس فيه “المؤسّسة الوطنيّة للإصلاح الزراعيّ”، لتقديم العناية الطبّيّة للمصابين.

في اليوم التالي للانفجار شاركت دي بوفوار وسارتر الجماهيرَ بالاستماع لخطاب كاسترو الذي حمّل مسؤوليّة الانفجار على “هؤلاء الذين لا يريدون أن نمتلك سلاحًا للدفاع عن الثورة”، واصفًا إيّاه بالعمل التخريبيّ.

تجوّلت دي بوفوار برفقة صديقها بين الجماهير المحتشدة في شوارع هافانا القديمة، وشاهدت الفتيات في مقتبل العمر يبعْنَ العصير للمارّة في حملة لجمع الأموال دعما لدولة الثورة الفتيّة.

ولاحقًا، كتبت دي بوفوار بتأثر شديد: “قام راقصون مشهورون بالرقص أو الغناء في الساحات من أجل جمع أموال الدعم، والصبايا الجميلات بملابسهنّ الكرنفالية سرْنَ في فرق يجمعنَ الأموال.

’إنّه شهر عسل الثورة‘ قال لي سارتر، من دون أجهزة الدولة ولا بيروقراطيتها، بل هو تماسّ مباشر بين الشعب وقادته والجماهير تموج بها الآمال المرتبكة. لن يدوم الأمر إلى الأبد، إلّا أنّه مشهد مليء بالمواساة. إنّها المرة الأولى في حياتنا التي نشهد فيها سعادة تحصّلت بالعنف”.

لاحقا في تشرين الأول من العام نفسه، دعا فيديل سارتر ودي بوفوار لزيارة كوبا، إلّا أنّ الزيارة هذه المرة بالنسبة لهما لم تكن على ذلك القدر من البهجة، كما كتب جيفارا.

أمّا دي بوفوار فكتبت: “لقد تغيّرت هافانا، لا نواديَ ليليّة ولا نواديَ للقمار؛ غادرها السياح الأمريكان ووقف الفندق القوميّ نصف فارغ وفي نصفه الآخر أقام فتية وفتيات أعضاء الجيش الشعبيّ مؤتمرهم الوطنيّ”.

وواصلت في ملاحظاتها على هذه الزيارة فذكرت أعضاء الجيش الشعبي المنتشرين في الشوارع والشائعات عن تدخل عسكريّ وشيك، وضايقها ما سمّته التجانس القامع للحياة في كوبا الجديدة.

تعكّرت الأجواء بين سارتر وكاسترو في فترة متأخرة أكثر. ووقف سارتر في عام 1971 إلى جانب الشاعر الكوبيّ هربرت باديلا (Herberto Padilla) الذي اعتقلته السلطات في كوبا، ووقع على عريضة تطالب بالعفو عنه، متّهمًا كاسترو بالستالينيّة، أمّا كاسترو فلم يبقَ خالي الوفاض: لقد صار سارتر بالنسبة له في عداد “السادة البرجوازيّين الليبراليّين… خَدَمة الإمبرياليّة”.

أمّا الشاعر هربرت باديلا فقد أطلق سراحه لاحقا وسمح له بعد سنوات بمغادرة الجزيرة التي تحاصرها الإمبرياليّة الامريكيّة، فهاجر إلى الولايات المتحدة ليستقبله رونالد ريغن رئيسها حينئذ استقبال الابطال.

المصدر: قديتا نت

رابط مختصر
2017-10-12 2017-10-12
أصيل القيق