الحرب لا تقرع الأبواب

أصيل القيقآخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 3:23 صباحًا
الحرب لا تقرع الأبواب

ما تبقى من ماء تضاءل، القنابل تهوي وتنهمر، والمرء بالكاد يمكنه مغادرة البيت – هذا واقع مَن يعيشون تحت الحرب. ولكن كيف يتفاعل الناس في مثل هذه الظروف؟ في فيلم Insyriated يحاول فيليب فان ليو الإجابة على هذا السؤال بطريقة مبتكرة، ما أهله لنيل جائزة “البانوراما” اختيار الجمهور لأفضل فيلم درامي في مهرجان برلين السينمائيّ

حنا داود وكريستينا هويتشين

ظُلمة. ام يزن تجلس إلى المائدة، تتجبّد وهي تلامس سطحها. كأنّ الوقت توقف بينما ترتخي. فجأة تلتمع الأضواء لتعود الحياة اليوميّة وكأنها تنطلق من جديد. تبتعد أم يزن وتعود الأمور كلّها إلى نصابها تحت السيطرة. مع أنها ليست كذلك.

يروي فيليب فان ليو في فيلمه “Insyriated” قصةً عن الحرب السورية وعن وقْعها على الناس وعلى حيّزهم الأُسَريّ. الفيلم الدرامي، الذي افتتح عرضه الدولي في برلين، ضمن مهرجان برلين الـ 67 للسينما، لم يفز بجائزة “البانوراما” (جائزة اختيار الجمهور لأفضل فيلم دراميّ) فحسب، وإنما حاز لقب “Europa cinema”.

يؤكّد المخرج أنّ فكرة الفيلم انبثقت عام 2013، حين لم تكن أيّ صورة للحرب في متناول اليد. وهكذا فإنّ “Insyriated” يحاول ملء هذه الثغرة من خلال صور صاعقة. يتتبّع الفيلم الأحداث داخل شقة منفردة. حياة أشخاص مختلفين علقوا معًا لمدة 24 ساعة بسبب الظروف الاستثنائيّة للحرب.

شخصيّة أم يزن (هيام عبّاس) تسعى لإعادة تنظيم الأمور داخل الفوضى العارمة بهدف عدم فقدان السيطرة على حياتها اليوميّة. فيزن يجب أن يتعلم، والمُعينة المنزليّة يجب أن تنظّف الشقة، بينما يتوجّب على الفتيان إحضار الماء. ورُغم أنّ الحرب تبدو كأنّها بعيدة، فهي تواصل الاقتراب كلّما تواصلت القصّة لدرجة لا يعود من الممكن تفاديها.

ورُغم حقيقة أنّه لا يوجد أيّ سلاح ظاهر للعيان، فإن طريقة استخدام أصوات البنادق ودويّ الانفجارات تكفي لتعزيز فكرة الحرب المقتربة.

تلك الأصوات تأخذ بالارتفاع أكثر فأكثر وتشتدّ اقترابًا خلال مجرى الفيلم، إلى أن تُطبق على الصمت وتمزّق جدار الحماية الوهميّ. فمهما كان عدد الأقفال التي ستُحكم إغلاقها، والحواجز التي سترفعها وتشيّدها، فسوف تلحق نارُ الحرب بالجميع.

لقد قام المخرج وكاتب السيناريو من خلال إطلاق أسماء محايده على شخصيات الفيلم، بإلغاء جميع الايماءات والدلائل المحتملة على أيِّ انتماء دينيّ أو مذهبيّ أو سياسيّ. وبالتالي، نجح تمامًا في إظهار كيف أنّ الحرب تترك أثرها على الجميع كبشر، وكيف أنّ الناس الاعتياديّين قادرون على تدبّر أمورهم بشكل تامّ حين يتوجب عليهم ذلك.

نخصّ بالذكر حليمة (Diamand Abou Abboud) وأم يزن؛ فحليمة تعبّر عن إعجابها بأم يزن وبشجاعتها، فتجيب أم يزن: “إنّنا جميعًا أقوياء وشجعان”. تتقاطع دروب حليمة وأم يزن فيما تبحث إحداهما عن الحماية والمأوى، في حين تُحكم الأخرى السيطرة. وهو شرخ يأخذ بالتغيّر قدمًا وتراجعًا مع تقدّم الفيلم.

يتعزّز الفيلم ويزداد متانة على امتداده بواسطة التفاصيل الدقيقة لأشكال الحياة اليوميّة وتدابيرها خلال الحرب، مستخدمًا تقنية التصوير الطويل للمشاهد (one shot / long take technique) التي تتبع تحرّكات أم يزن. هذه التقنيات تجعل السردية لا تجري بانسياب فحسْب، بل تمكّن المشاهد من المتابعة والإحساس عن كثب بينما يقوم بدوره في هذا الموقع “المسرحيّ”.

لقد نجح فيليب فان ليو في إبداع واقع يعجّ بالتفاصيل، يعكس الحرب من وجهة نظر شخصيّة وفوق- شخصيّة في الوقت ذاته. وقد ساهم تصميم الصوت والتصوير والعرض بشكل خلاّق في هذا الفيلم المتقن.

المصدر: قديتا نت

رابط مختصر
2017-10-12 2017-10-12
أصيل القيق