التعليم كسلطة رأسمالية

مريانا بدويةآخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 6:06 مساءً
التعليم كسلطة رأسمالية
عمر علي باشا
عمر علي باشا

تاريخ موجز في وقت مبكر كانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تدير مراكز تعليمية تسعى إلى محو الأمية والحفاظ على تعاليم الكنيسة من خلال تعلم اللغة اللاتينية وفن الكتابة، وقبل تأسيس هذه المراكز تم تشغيل العديد من الحلقات في العصور الوسطى حيث يدرس الرهبان الكنيسة الكتاب المقدس، لكن تطورت هذه الحلقات فتحولت إلى مراكز منظمة ولها إدارة ومؤسسات تدير التعليم وتضع المناهج والمقررات. تأسست أول مؤسسة جامعية القرون الوسطى في إيطاليا وفرنسا وإنجلترا في أواخر القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر لدراسة الفنون والقانون والطب واللاهوت. وقد تطورت هذه الجامعات من مدارس الكاتدرائية المسيحية القديمة ومدارس الرهبانية. منها كامبريدج على سبيل المثال والعديد من الجامعات المعروفة حاليا تأسست معظمها في ذلك الوقت.

ومن الجانب الآخر كان بيت الحكمة في بغداد تعمل في الترجمة باعتباره مركزا للثقافة والتعليم وذلك في القرنين التاسع والثالث عشر، حيث ترجمت أعمال كثيرة من بينها التنجيم والرياضيات والزراعة والطب والفلسفة، وذلك استنادا إلى النصوص الفارسية والهندية واليونانية بما في ذلك أعمال فيتاغورس وأرسطو وأفلاطون وأبقراط واقليدس وغيرهم من الفلاسفة. تراكمت هناك كميات هائلة من المعرفة من خلال الاكتشافات والنظريات التي تم ترجمتها بالعربية بدعم من المؤسسة الخلافة حيث أصبحت بغداد عاصمة الثقافة والمعرفة في ذلك العصر وأغنى مدينة في العالم، وكان عدد سكانها أكثر من مليون نسمة. ومن هناك صار بيت الحكمة مركزا لا مثيل له لدراسة العلوم الإنسانية والعلوم الأخرى منها الرياضيات وعلم الفلك والطب والكيمياء وعلم الحيوان والجغرافيا.

في شمال أفريقيا تعتبر جامعة القرويين أقدم جامعة في العالم ولا تزال تعمل إلى الآن، حيث قامت السيدة فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني عام ٢٤٥هـ/ ٨٥٩م في مدينة فاس المغربية، من هناك تم اختراع الكراسي العلمية المتخصصة والدرجات العلمية في العالم. واستخدمت نظام التخصصات من بينها الشريعة واللغة العربية وأصول الدين ككليات اكاديمية تدرس هذه التخصصات.

تختلف الحضارة الإسلامية من ناحية التعليم عن أوروبا في العصور الوسطى، وكان المسجد والحلقة العلمية موضوعا مهما باعتباره نوعا من أنواع التعليم، حيث كانت التعليم مجانا لكل الراغبين به، ولم تكن الدارسة معقدة، بل كانت بسيطة وذات معاني جميلة، يهتم الطالب العلم فقط دون رسومات ولا رسوبات. ولم يكن التعليم إلا نادرا مصدرا دخل في الحضارة الاسلامية، حيث كان الأستاذ يقدم الدروس في الجامع بعد الصلوات ويستمع إليه الطلاب، ومن هناك يتخرج الطالب بإجازة من أستاذه.

أما التعليم الحديث فهو امتداد طبيعي للنظام التعليمي في القرون الوسطى ومعظم المدارس في هذه الحقبة كانت مبنية على المبادئ التي يرسخها الكتاب المقدس وهناك تأسست أقدم الجامعات الأوروبية مثل جامعة باريس عام ١١٦٠م، وبالإضافة إلى ذلك كان النظام التعليمي اللاديني -أي بوصفة علمانيا- حاضرا في ذلك الوقت مثل جامعة بولونيا. ومن خلال صيرورة ثقافية وسياسية أتجه التعليم النظامي إلى نظام مركب ومعقد من ناحية وضع المناهج التعليمية (المقررات) وأيضا وضع رسوم دراسية واللوائح الجامعية، وذلك بدعم من الإمبراطوريات الأوروبية. من المفاهيم المهمة في تلك الحقبة هو مفهوم التعليم الإلزامي حيث وضعت مملكة بروسيا عام ١٨٠٠ وذلك لإنتاج المزيد من الجنود والمواطنين المطيعين، ومن خلال ذلك سيطرت النزعة السلطوية النظام التعليمي بشكل كبير حيث اتجهت معظم الدول استغلال التعليم النظامي لتعديل السلوك الاجتماعي للمواطنين وذلك بما يناسب توجهات الدولة.

التعليم والسلطة صارت علاقة التعليم بالدخل والاقتصاد عموما أمر واضحا في القرنين الاخيرين، ومن ثم فأنك ستتعلم بقدر دخلك، أو يمكنك أن تأخذ قرضا من البنك لتدفع رسوم الدراسة، والواضح من هذه العملية أن التعليم بات محتكرا لطبقة اقتصادية معينة، وكذلك صار جهازا تأديبيا تستخدمه السلطة السياسية لتوجيه سلوك المجتمع.

اعتبر ميشيل فوكو الجامعات والمؤسسات التعليمية من المؤسسات التي تعيد إنتاج المواطنين حسب رغبة السلطة، حيث تروض السلطة المجتمع وتفرض عليهم السلوك المناسب لرغبة الدولة، فهي بالتأكيد جزء مما سماه فوكو تقنيات الذات، وهي تقنيات المراقبة والعقاب، مثل الواجبات والامتحانات والرسوب والفصل والعلامات والشهادات وغيرها من الوسائل. وكلنا نعرف كيف تغتال هذه المؤسسات الإبداع وإدخال الطلاب في دائرة التلقين المستمر، ولأن هذه المؤسسات التي تعتقد أنها تنور العقول هي في الحقيقة تنتهج سياسات تساهم في قتل الإبداع وزرع الغباء بشكل ممنهج. ومن الطريف أنني رأيت في أحد الشوارع شعاراً لإحدى الروضات التعليمية تقول “أعطني طفلا أعطيك عقلا” وبالفعل العقل المقصود هو العقل المنمط، حسب رغبات المؤسسات التعليمية.

نعود إلى ميشيل فوكو يقول في المناظرة المشهورة بينه وبين نعومي تشومسكي سنة ١٩٧١، كلاما مهما في سياق علاقة التعليم بالسلطة وسوف استشهد كلامه بتصرف بسيط: “يعتقد المرء بان الجامعات وبصورة عامة كل الانظمة التعليمية انها ببساطة تنشر المعرفة فقط، بل صنعت للمحافظة على طبقة اجتماعية معينة في موضع القوة، ولحصر امتلاكها لأدوات القوة دون الطبقات الاجتماعية الاخرى، وذلك أن مؤسسات المعرفة والوعظ والرعاية كالطب تساعد ايضا على دعم القوة السياسية” . نلاحظ في كلام فوكو أن المؤسسات التعليمية ليست برئيه بل لها أطماع سياسية وتكرس التفوق الطبقي بشكل عميق، حيث ترفع شعار “لا مال إذن لا تعليم” أي إذا كنت تريد أن تتعلم فعليك أن تدفع أكثر، مما يعني أن النظام التعليمي يخدم في مصالح الطبقات الرأسمالية.

الاقتصاد والتعليم

يقول نائب المستشار جامعة ليستر بوب بيرغسن “الجامعة عبارة عن منشأة تجارية وأي شخص يعتقد خلاف ذلك هو للأسف على خطا”، في الحقيقة هذه العبارة صحيحة لحد بعيد، لأن الجامعة باعتبارها أعلى مؤسسة تعليمية هي مؤسسة ربحية متوحشة، تنتهج سياسة الجشع بشكل فاضح، إذ تعتمد على السوق وتدرس بحذر العرض والطلب في السوق، حتى توفر الخدمات المطلوبة في السوق، منها الخبرات والموظفين، وتقدم أيضا الدعم لتلك الشركات التي تحتاج إلى خبرات وموظفين، ومن هنا انتهت مقولة أن الجامعة تخرج المثقفين، لأن السوق لا يحتاج إلى مثقف، بل إلى موظف مطيع.

يقول جون بايري “إن محاسن الداخلية ومعايير ممارسة التعليم والبحث تم تقويضها أو افسادها بالأهداف المفروضة من الخارج على مؤسسة الجامعة الحديثة والموجهة نحو أهداف اقتصادية”. وعلى هذا الأساس يتحول التعليم إلى أداة من أدوات القوة والقهر ويكون هدف الجامعات هو الربح المالي بدل جعل العالم إلى مكانا أفضل أو تحسين الظروف المعيشة للإنسان، وعلاوة على ذلك تكون الجامعة مركزا رأسماليا لا يمهما سوى الربح وذلك على حساب المعرفة والجودة.

لا ننكر أن الاقتصاد مرغوب في عملية التعليم، والتعليم يلعب دورا مهما في التنمية والنمو الاقتصادي، أما عندما يتم تقويض دورها في نشر المعرفة ومحو الجهل، فإن الرأسمالية الأكاديمية تتحول إلى مؤسسات تنشر الكراهية والطبقية حيث توفر التعليم للطبقات الرأسمالية فقط وهي الطبقة الوحيدة القادرة على دفع هذه الرسوم، أما غير ذلك فيمكنك أن تأخذ قرضا من البنوك وتطل تدفعه طيلة حياتك، غير ذلك فمصيرك هو الجهل، وذلك ينفي هدفها الأساسي، “تحسين الظروف الحياة وخدمة مصالح البشرية.”

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-10-12 2017-10-12
مريانا بدوية