زمن اللعب راح يا ميسي!

مريانا بدويةآخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 5:39 مساءً
زمن اللعب راح يا ميسي!
أحمد مختار
أحمد مختار

“مش هتلعب تاني يابا صحيح؟ خلاص، زمن اللعب راح يا بكر”. لم أنس أبدا هذه الجملة التي قيلت في نهاية فيلم “الحريف”، سيمفونية محمد خان التي وضعت القاهرة في قالب سينمائي مبهر، وأعادت أيام “كرة الشوارع” بكل ما فيها من شجن وشغب وتمرد، وسعادة ممزوجة بكآبة الفقر القاسي الذي لا يرحم أحدا. يسأل الطفل والده في نهاية المباراة: هل ستعود إلى الشارع بعد تألقك وتسجيلك أكثر من هدف؟ ليرد الأب دون تردد: بالتأكيد لا، لأن هذه الفترة انتهت بلا رجعة، في اختيار واضح للأمن على حساب الحرية، والمال بدلا من المتعة المجانية.

تذكرت هذا المشهد بكامل تفاصيله أثناء مشاهدتي لمباراة الأرجنتين والإكوادور بجولة الحسم في التصفيات اللاتينية، القارة المعزولة لا تتوقف أبدا عن نسف التابوهات، كل دقيقة بترتيب جديد، ومع كل هدف يصعد فريق ويبتعد آخر، هكذا حتى الدقيقة الأخيرة من عمر المواجهات، ولوهلة شعرت بأن ميسي هو ذلك البطل الذي حكى عنه محمد خان في فيلمه، حيث إنه كان مضطرا لسماع نفس السؤال في حالة عدم وصوله إلى المونديال: “مش هتلعب تاني يا ميسي مع بلاد الفضة؟” لتكون الإجابة سهلة وبسيطة وسريعة: زمن اللعب الدولي راح بلا رجعة!

الحقيقة أن ميسي تعرض لهذا الموقف من قبل في صيف 2016، ما زلت أذكر هذه الأيام الحزينة التي عاشها الملك رقم 10، الوصول إلى نهائي كوبا أميركا للعام الثاني على التوالي، تألق لافت من البداية حتى النهاية، انتصارات سهلة وعروض مبشرة للغاية، وفي المباراة النهائية يتفنن المهاجمون في إضاعة الفرص السهلة، ويتحول أفراد المنتخب الأرجنتيني إلى مجرد أشباح، وفي النهاية خسارة مريرة بركلات الحظ. الاختلاف الوحيد بين 2015 وما بعدها أن ليو أضاع ركلة جزاء هو الآخر، ليسقط في فخ الاكتئاب السريع، ويقرر الاعتزال الدولي بعد تلك النهاية الدرامية.

وصفت ليونيل بالمخطئ وقتها، لقد تسرع يا رفاق، وتأثر بالضغط والعوامل المحيطة، لذلك جاء قراره سريعا من دون أي حسابات. صحيح أنه خسر نهائي كأس العالم 2014، كوبا أميركا 2015، كوبا أميركا 2016، وفي كل هذه المباريات يتفنن هيغوايين في تسديد الكرات خارج المرمى، ويقل مردود بقية الزملاء داخل الملعب، وكأن آخر مباراة هي اللعنة في أسوأ صورة لها، لكن في النهاية هذه هي كرة القدم، يجب أن يعود البرغوث إلى منتخب بلاده، ومع مدرب جديد أقرب إلى الثورية، كل شيء سيتغير إلى الأفضل، وفي حالة تولي سامباولي قيادة الأرجنتين من الوارد أن يتوج “لابولغا” باللقب الثمين.

جاء جورجي سامباولي، الرجل الذي قاد شيلي إلى المجد، وصنع فريقا تنافسيا مع إشبيلية في عام واحد، وانتظرنا جميعا العالم الآخر المفروش بالورود، لكن الأرجنتين تواصل السقوط بشكل مأساوي غير مسبوق، تعادل أمام أوروغواي بدون أهداف، وتعادل إيجابي ضد فنزويلا، ومباراة كاملة بدون أهداف مع بيرو، وهدف مبكر من الإكوادور في جولة الحسم، راقصو التانغو على شفا الابتعاد عن كأس العالم، حتى انتفض ميسي كعادته وسجل ثلاثة أهداف رائعة، ليفوز الفريق ويصعد إلى المونديال بالنهاية.

يتألق بابو غوميز مع أتالانتا في الكالتشيو، يتلاعب بدفاعات السيدة العجوز ويسجل أهدافا لا تُنسى، ومع ضمه إلى المنتخب يتبدل الأمر إلى النقيض تماما، ليقف اللاعب خجولا داخل الملعب، ولا يقوى على تسجيل هدف من على خط المرمى. بينيديتو ليس أفضل حالا، هداف البوكا جونيورز ونجم الدوري المحلي يصول ويجول ويفعل العجب في بومبونيرا، لكن مع بلاده يصبح اسما آخر، يمرر له زميله كرة على طبق من ذهب أمام المرمى، وبدلا من وضعها في الشباك يعود بها مرة أخرى إلى الخلف. شيء لا يصدقه عقل!

تتعادل الأرجنتين أمام بيرو، ويخرج بانيغا بعد المباراة ليستمتع بوقته الثمين في ملاهي بيونس آيرس، أما دي ماريا فيلعب مباراة في القمة، وثلاث تحت القاع، هذه هي الحالة المحيرة للريشة اللاتينية، دائما يتألق في بعض الأوقات، ثم ينزل إلى الأسفل بسرعة الصاروخ، ليترك ريال مدريد ويفشل في مانشستر يونايتد، ويرضى بدور الكومبارس البديل في باريس، رغم كل ما يملك من موهبة وقدرات غير عادية. ويختلف حال ديبالا بعض الشيء، فنجم يوفنتوس هو أفضل لاعبي الدوري الإيطالي، لكنه يفتقد إلى الخبرة والنجاعة على الصعيد الدولي، ليقول عنه مدربه إنه لا يزال بعيدا عن الخانة الأساسية في المباريات المعقدة.

سامباولي نفسه قصة أخرى، اشتهر حليق الرأس بتكتيكه الجريء وشخصيته القوية، لكنه نجح مرتين بطريقة مميزة، الأولى مع شيلي بعد استفادته من الإرث الكبير لسلفه وأستاذه مارسيلو بييلسا، والمرة الثانية في الأندلس بمساعدة خوانما ليو، أحد عرّابي الخطط في إسبانيا وأميركا اللاتينية. ومع الأرجنتين هذه المرة لم يجد جورجي ميرات بييلسا، وافتقد صديقه الآخر الذي ذهب إلى كولومبيا لتدريب فريقها الأول، وبالتالي حاول وضع بصمة فردية مع منتخب بلاده في فترة زمنية قصيرة، لكنه لم يقدر بعد، ليلعب بأكثر من تشكيلة ويجرب خليطا غير توافقي من النجوم، والمحصلة شبه صفرية، حتى ثورة ليو الأخيرة بالإكوادور، في أعلى مستوى ممكن فوق سطح البحر.

تقول الأسطورة إن الأرجنتين لا تفوز بالكأس إلا في حالتين، أن تكون البطولة على أرضها ووسط جماهيرها كـ 78، أو يلعب الفريق بطريقة عنيفة غير ممتعة، مع وجود نجم فذ كمارادونا وحوله مجموعة من خيرة المساعدين كبروتشاغا وفالدانو وغيرهم مثل أيام 86 البديعة في المكسيك. ومع حدوث أي تغيير لا يقدر المنتخب على اقتناص الكأس، لدرجة أنهم كانوا المرشح الأوفر حظا في 2002 و2006، لكنهم خسروا البطولتين بغرابة شديدة، رغم كل ما يتوفر لديهم من أسماء بقيمة ريكلمي وفيرون وكريسبو وكامبياسو وسورين وأيالا وكل الشلة المعروفة.

يعتبر الجيل الحالي لمنتخب الأرجنتين ضعيفا على مستوى النظام التكتيكي، فكل مدرب يحتاج إلى بعض الأدوات ليفرض أسلوبه وينقله إلى لاعبيه، لكن على سبيل المثال يفتقر هذا المنتخب إلى ظهيرين على مستوى مرتفع، ميركادو ضعيف بالكرة وأكونيا بلا شخصية. أما في خط الوسط، المنطقة التي كانت مسرحا لتمريرات خوان رومان الحريرية وتحركات فيرون المثالية، أصبحت مأوى لثنائية بيليا وبانيغا، هذه الثنائية التي فشلت في خلق أي لعبة غير متوقعة طوال المباريات السابقة.

مجموعة بدون أظهرة فعالة، ومن غير خط وسط مبتكر ومنتج، بالإضافة إلى دفاع يقوده ماسكيرانو، البديل في برشلونة، وهجوم قوي على مستوى الأسماء، لكنهم يفتقدون إلى شخصية المحافل الدولية من بطولة لأخرى، لدرجة أن محللا برازيليا كبيرا بإحدى القنوات المحلية هناك قالها بعد مباراة إكوادور: “الأرجنتين لم تعط ميسي أبدا فريقا تنافسيا”، رغم كل ما بين الدولتين من عداوة كروية على مر السنوات.

عاد ميسي من الاعتزال الدولي ليقرر إحياء زمن اللعب مرة أخرى، وصعد بمنتخب بلاده إلى الكأس بعد مباراة ماراثونية وثلاثية تاريخية. ومع كامل الاحترام لهذه اللحظة الصوفية فإنها لن تتكرر في مباريات المونديال، وسيسقط هذا الفريق بسهولة بالغة أمام منافسين بقوة ألمانيا وإسبانيا وفرنسا والبرازيل، لأن هناك فارقا شاسعا بين الفريق الجماعي والمجموعة الفردية التي يقودها نجم استثنائي. في النهاية الكثرة ستغلب الشجاعة، وسيندم ليو على سماع نصيحتي ونصيحة غيري بالتراجع عن قراره السابق، واللعب مع الأرجنتين من جديد!

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-10-12 2017-10-12
مريانا بدوية