الموسيقى اليونانية..عراقة و تفرد في الإبداع

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 3:41 صباحًا
الموسيقى اليونانية..عراقة و تفرد في الإبداع
شيماء المريني
شيماء المريني

تعد الحضارة الإغريقية أو اليونانية من أشد الحضارات تأثرًا بالموسيقى والفن في العالم، فقد دأبوا على التغني بجمالية الكلمة وعذوبة اللحن، حتى باتت الموسيقى جزءا لا يتجزأ من حياتهم، فنجدهم قد خصصوا أغاني لكل حدث ومناسبة، كأغاني عن الحب والعطاء والحزن والوفاة، بل وتألقوا في صياغة أغانٍ عن الحماس والنصر في المعارك، ولم يغفلوا قط الجانب الديني، فألفوا ترانيم عدة وابتهالات مختلفة للتقرب من آلهتهم، ولعل أشهرها ابتهالات “ديونيسس” وتهاليل “أبلو”.

(1) أهمية الموسيقى ومكانتها الرفيعة لدى اليونانيين من منظور الفلاسفة اليونانيين: يجمع الفلاسفة اليونانيون كأرسطو وأفلاطون على أهمية الموسيقى؛ فهي وسيلة فعالة؛ لتهذيب النفوس وإثراء الأخلاق داخل المجتمعات، فقد أكد أفلاطون على أن الموسيقى فن قائم بذاته، بل وصنفها ضمن أرفع الفنون وأرقاها؛ نظرا لما لها من تأثير على النفس الباطنية والحياة الانفعالية للإنسان، بما ينعكس أثره على أعضاء الجسم ومختلف أجهزته، بل واعتبر أفلاطون الشعر هزيلا إذا تلي نثرا وجرد من جمالية إطاره الموسيقي.

اليونانيين ابتعدوا عن الصوت المنفرد، وفضلوا الغناء الجماعي؛ نظرا لما له من رونق خاص في الاعتقاد اليوناني فقد أكسبوه بعدا فلسفيا عميقا.

من منظور الحكومة اليونانية: حسب الروايات التاريخية- فقد كانت الحكومات اليونانية تولي أهمية بالغة للموسيقى حتى إنها كانت تعد قواعد الموسيقى وتنظيمها كان من مهام الدولة الرسمية، بل و أكثر من ذلك فقد كان يوصف الشخص المثقف المرموق بأنه “موسيقي”، هذه الصفة كانت تعبر في ما مضى عن حكمة الفرد ومستواه الثقافي، في حين كان يلقب غير المثقف “بغير موسيقي”، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على المكانة التي تزخر بها الموسيقى وأهميتها في الحضارة اليونانية .

من منظور الشعب اليوناني: جمالية المقطوعات الموسيقية استأثرت باهتمام أفراد المجتمع اليوناني؛ حيث تذوب النفس لروعة الكلمة وانسياب اللحن وسلاسته، فتحولت الموسيقى إلى أحد أبرز مستلزمات حياتهم حتى إنهم فرضوا على كل فرد في المجتمع ضرورة دراستها والإلمام بقواعدها؛ نظرا لآثرها الحسنة فهي وسيلة لتزكية النفس وتهذيبها.

(2) الموسيقى اليونانية والغناء علاقة تلاحم وتكامل: شكل الغناء إلى جانب الموسيقى مزيجا سحريا جمع بين جمالية الكلمة الرنانة وعذوبة اللحن الشجي، فظهرت بذلك أجمل المقطوعات الموسيقية والأغاني الراقية ، غير أن اليونانيين ابتعدوا عن الصوت المنفرد، وفضلوا الغناء الجماعي؛ نظرا لما له من رونق خاص في الاعتقاد اليوناني فقد أكسبوه بعدا فلسفيا عميقا.

في الماضي اشتهرت المدن والجماعات اليونانية بتنظيمها لمباريات كبرى في صنف الغناء الجماعي؛ إذ يتم التحضير لها بفترة طويلة عن موعد الحدث، فكان يحيي الحفلة أمهر المغنيين برفقة جوقة محترفة؛ ليؤدوا أعذب النغمات وأجمل المقطوعات الموسيقية آن ذاك.

(3) الموسيقى اليونانية والرقص تعبير إيقاعي وإبداع حي: في عقيدة ديونيسوس يعد الرقص أرقى وسائل التعبير؛ حيث يرتبط ارتباطا وثيقا بالدراما الإغريقية، فبعدما كان الرقص أحد الطقوس السحرية الدالة على الغرائز انتقل في ما بعد ليصبح فنا راقيا للتعبير الإيقاعي . ترافق الرقص الموسيقى في مختلف أطواره ألحان شجية وإيقاعات متنوعة؛ إذ يكون مصحوبا بإيماءات وحركات تعبيرية تفسر محتوى الشعر، وتوحي إلى مدلول كلماته، بل ويترجم أحداث قصته.

الموسيقى والرقص والغناء، ثلاثة عناصر فنية انسجمت في قالب إبداعي مسرحي؛ حيث قدمت عدة لوحات مسرحية من صنف التراجيديا، تتضمن اثني عشر فردا؛ ليصبحوا خمسة عشر فردا فيما بعد، إلى جانب أداء صنف الكوميديا الذي تضمن أربعة وعشرين فردا. تتخلل المسرحيات بمختلف أنواعها عروض غنائية، مصحوبة بأداء موسيقي إلى جانب رقصات تعبيرية متنوعة.

(4) الآلات والسلالم الموسيقية الإغريقية استعمل اليونانيون آلات موسيقية بسيطة، ولعل أبرزها آلات القرع لإصدار نغمات وإيقاعات متباينة، وآلات النفخ التي استعمل فيها أساسا الناي ولا سيما الناي المزدوج؛ إذ كان أكثر الأدوات شهرة في الحضارة الإغريقية، إلى جانب البوق، فضلا عن استعمال الآلات الوترية التي تعتمد بالأساس على شد الأوتار باستعمال الأصابع، كما تمت الاستعانة بقيثارات مختلفة الحجم تتكون من أربعة أوتار، وأحيانا خمسة أوتار مصنوعة من أمعاء الضأن، وهي مشدودة على قنطرة فوق جسم رنان من المعدن، أو صدفة سلحفاة.

يتضمن الفن اليوناني ثلاثة سلالم موسيقية، يتكون كل منها من ثمانية أنغام متوالية، إما صعوداً ابتداءً من نغم الأساس حتى جوابه، أو هبوطاً من الجواب حتى نغم الأساس، كما ينقسم كل سلم إلى قسمين يطلق على كل منهما جنس أو تتراكورد (أي ذو الأربعة أنغام) والسلالم الموسيقية كالتالي: السلم الدياتوني (المنتظم) Diatonic Scale السلم الكروماتيكي (الملوّن أو المنزلق) Chromatic Scale السلم المتعادل (الترادفي) Enharmonic Scale

تعد الموسيقى اليونانية دليلا على حضارة تاريخية عريقة شملت جيلا من المبدعين الرواد لذين عمدوا إلى ابتكار أنماط موسيقية جديدة أثرث خزانة الفن اليوناني.

حسب الروايات التاريخية، فقد ارتبط تطور الإيقاعات الموسيقية عند اليونان بتطور آلة الليرا (أي القيثارة)، هذا التطور أدى إلى ظهور سبعة دواوين مقامية جديدة منبثقة عن ثلاث سلالم رئيسية؛ إذ بلغت شهرتها الموسيقيين الغربيين العالميين الذين اعتمدوها، مثل “ديبوسي” في مقطوعة “صور البحر”، و”ريسفيجي” في قصيدة الموسيقى “نافورات روما” وهي كالتالي: الدوري Dorian ما تحت الدوري Hypodorian الفريجي Phrygian ما تحت الفريجي Hypophrygian الليدي Lydian ما تحت الليدي Hypolydian الليدي المختلط Myxolydian

لطالما شكلت الموسيقى جوهر الحياة الإغريقية، حتى إنهم قاموا بالربط بين الحالات الشعورية والسلالم الموسيقية، فالمقامان ما تحت الدوري وما تحت الفريجي معبران عن الحنان، وما تحت الليدي المنخفض معبر عن الشجن، والدوري معبر عن السيطرة والروح العسكرية، والفريجي عن التكاسل، والليدي عن الأنوثة والنعومة والفرح والثرثرة، والليدي المختلط عن الحزن العميق والكآبة.

تعد الموسيقى اليونانية دليلا على حضارة تاريخية عريقة شملت جيلا من المبدعين الرواد مثال: “فرسنيس” و”تيموثيوس” و”فيلوكسينوس” و”بوليسيدوس” (القرنان الخامس والرابع ق.م) الذين عمدوا إلى ابتكار أنماط موسيقية جديدة أثرث خزانة الفن اليوناني.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية