حيّ على الفساد

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 3:35 صباحًا
حيّ على الفساد
 سفيان الميموني مشبال
سفيان الميموني مشبال

يسقط الفساد، شعار فاتن، كامرأة من الزمن الأندلسي، لا أعرف لماذا لم يعد يأسرني هذا الشعار ويحرك مشاعري؟ ربما أصبح مجرد ذكرى ووهج من الماضي.

عندما كنت صغيراً كنت أتابع بعض الأفلام التي يحارب فيها البطل المفسدين وهم يتقمصون في كل فيلم وجهاً من الوجوه الفاسدة، فمرة عصابة تسرق البنوك ومرة مجموعة ضغط تبتز العمدة، أو في بعض الأحيان رئيس الدولة ومرة أخرى، تأخذ شكل مؤسسة مختصة في قطاع معين، ومرة قد تكون جهة من الدولة، سواء منتخبة أو جهاز مخابراتي، تدفع بكل ما لديها من وسائل لتحقيق أغراض ذاتية، وذلك عن طريق الابتزاز وقد يصل الأمر لبلوغ ذلك، في الاعتماد على العنف غير المشروع، أو حتى تشويه سمعة طرف من الأطراف التي قد تقف لهم بالمرصاد. أليست الغاية تبرر الوسيلة كما يقول ميكافيلي؟

وكم كنت ساذجاً معتقداً أن الفساد مجرد رجل مسافر يركب القطار من محطة انطلاقه وسيتم القبض عليه في آخر محطة من وصوله، وأن البطل لديه ما يكفي من المهارات والألعاب البهلوانية أو ما يتوفر عليه من وثائق سرية نزلت عليه كما ينزل الوحي؛ ليواجه بها هؤلاء المفسدين والخارجين عن القانون، ليقدمهم إلى رحمة العدالة التي تقول كلمتها الفاصلة القاطعة باسم قداسة القانون وعظمته.

وكم كنت أخرج منشرحاً من دور السينما، وأنا أحكي لأصدقائي عن روعة البطل وإمكانياته الخارقة التي تجعلك تشعر معه بالأمن والطمأنينة، وتتوسم أنه لن يكون للمفسدين من أثر في حياتنا مستقبلاً، وحتى إن فاحت رائحة كريهة يوماً ما سنتصدى لها ونوقف زحفها بما تعلمناه من قواعد العشق للبطل وسحره الذي لا يقاوم.

آه كم هو إحساس جميل وطفولي!

الغريب، لم يترك لنا سمو الفساد الفرصة للتماهي مع هذا الإحساس حتى نكبر كشجرة البلوط بحيث فاجأنا جميعاً بتقلده مسؤولية قيادة القطار وبأقصى سرعة.

والمدهش أننا نتسابق جميعاً للركوب وراءه والانتشاء بمغامراته والحديث عنه والتبرك بخوارقه العجيبة والمخلة كصوفي جديد.

وهل نشعر بأوجاعه على الروح؟ الفساد ألم إنساني يصيب القلب فتتبلد معه كل الشرايين، ويضرب العقل فيفقد مقوده النوراني، وتصبح الحياة مجرد رحلة لمجموعة من القوافل لتجار في الممنوعات أتلفوا الطريق وفقدوا الثقة في كل صديق.

لا أحد منا قد ينكر أنه قد يكون ضمن هذه القافلة، التي يعتقد قائدها أنه سيصل يوماً إلى نقطة الضوء، وأنه يسير بالرحلة في الاتجاه المأمول، وكم سيكون محزناً عندما يكتشف بعض من المسافرين أنهم مجرد قطيع كانوا يتبعون سراباً ونهاية قاتلين.

ألم يحِن بعد الوقت للإعلان عن آدميتكم؟ الفساد آخذ في الازدياد، يتوالد كالذباب ويمتص كل رحيق إنساني، ونحن نتصنع بأنانيتنا الحقيرة إنه شأن جماعي لا يمت لنا بصلة لمن قريب أو بعيد، إنه استهتار أخلاقي يخرجنا من دائرة الكائن المسؤول إلى المستنقع البهائمي المسلوب، إنه هروب اختياري من مواجهة الحقيقة ووجعها المرير، إنه امتحان من نكون وماذا نريد؟

هل ما زال لنا اختيار بالفعل بعد أن حولوا كتاتيبنا إلى حوانيت للبقالة ومدارسنا إلى قاعات واسعة لحلاقة الرؤوس وجامعاتنا إلى ساحات لمصارعة الثيران (الكوريدة) ومتاحفنا إلى صالونات للتجميل والموضة.

وماذا عن الاحتفال بملكة الجمال التي أصبحت من الطقوس المقدسة في الوطن العربي، إنه نظام جديد لثقافة الاستهلاك، وهل إفساد الذوق هو الآخر إخلال بالميثاق الأخلاقي الجماعي؟ وهل خيار الفرجة الذي نقوم به جميعاً سيوقف النزيف؟

قصر الفساد يتسع بناؤه ويستعلي سوره ويزيد في تزيين واجهته بأزهار النرجس، يستقطب في كل ليلة ليلاء مريدين جدداً، ويحتفل بلاعبين يحلمون بتاج الرخاء ليفوزوا بالغنيمة ولو على حساب دم الفقير وقوته البسيط.

واللامبالاة تزيد في صناعة المفسدين واحترافيتهم، وتزيد في تهميش صوت الأحرار واغتيال سلطة القانون، لا تنتظروا أخرجوا قصائدكم؛ لترجموا بها هذا القصر الذي شيّدوه بسكوتنا وببؤسنا.

المصدر – مدونات هاف بوست عربي

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية