متاهة الاختيار

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 3:15 صباحًا
متاهة الاختيار
 شيماء المريني
شيماء المريني

لكلٍّ منا وجهة معينة، حلم مختلف وتطلّع مغاير، يضفي على الحياة بريقاً وهاجاً وبهاءً أخّاذاً بدل ألوانها الباهتة وأجوائها الباردة، بل ويضخ في أعماقها روح الإرادة والتحدي لتجاوُز كل الصعاب بنجاح مستحق.

فقد تتنوع السبل وتتكاثر الطرق، بل وتتعدد الوسائل والأسباب، غير أن الهدف واحد، ألا وهو الوصول إلى المبتغى وتحقيق ذلك الحلم الكبير الذي جعل العقول حيارى، والعيون الساهرات لا تنام ليل نهار، بل وكثيرة هي الأحيان التي يتحول فيها الأمر إلى تحدٍّ بين الإنسان وذاته؛ لتصبح المسألة خاضعة لمبدأ “أكون أو لا أكون”.

لكن ماذا لو تفرَّقت بنا الدروب ووقعنا في متاهة الاختيار؟! بين رغبة ذاتية وسلطة مجتمعية، بين حلم ملأ صفحات المذكرات وكابوس فرضته الأعراف وأجمعت عليه التقاليد والعادات، بين أمنية ذكرت ليل نهار ورجاء خذلته الأقدار؛ ليحسم الأمر في آخر المطاف، فتضيع كل الآمال التي عقدت، وتتلاشى كل المخططات التي وُضعت، ويخمد ذلك البركان الثائر بدواخلنا، بل وينطفئ وميض النور ويحل بدله ظلام قاتم، حتى إن الحياة تفقد معانيها، فيصبح الإنسان من مخير إلى مجبر، بل منصاع إلى واقع أسدل ظلاله ونفذ قراره.

إن الاختيار السديد قد يبدو في عيون المجتمع خطأ عويصاً، وما يناسب إمكانات الفرد وتطلعاته قد يتحول في نظر البعض إلى تمرد وانسلاخ عن القيم والمبادئ، بل وقد يترجم الأمر إلى جحود وضلال ويصنف صاحبه في دائرة العلمانيين!

هي صور متنوعة تنبثق من قلب مجتمعنا لتبرز للعيان، بل وتشمل كل مجال: كفتاة تطمح لدراسة الموسيقى؛ إذ تجد ذاتها في مجال الفن والإبداع وسط زخم النغمات والألحان، غير أنه وفور إبداء رغبتها هذه تفاجأ بكمّ هائل من الانتقادات اللاذعة من داخل وخارج محيطها الاجتماعي؛ ليفرض عليها تخصص مغاير لا يتناسب وتطلعاتها.. أو كأخرى تجبر على الزواج مكرهة بعد أن أجهزت العادات العقيمة على اختياراتها، ودمّرت الأعراف المبتذلة أمانيها وأحلامها، التي كان أكبرها التعلم والحصول على شهادة جامعية تثبت كفاءتها وفاعليتها مثلها مثل قريناتها من بنات جيلها، أو كشباب إناث وذكور على حد سواء نهلوا من العلم حتى بلغوا مراقي الصعود، وكانوا كلهم حماساً وطموحاً، إلا أن الاختيارات انحصرت، والمتاهة ساقتهم إلى مخرج غير ذلك الذي توقّعوه وسهروا الليالي ليبنوه..

قد تخضع اختيارات الإنسان إلى العديد من الاختبارات والكثير من الإكراهات حتى تتحقق وتصبح واقعاً معاشاً في الحاضر القريب أو المستقبل البعيد.

إن كل اختيار هو مسؤولية نابعة عن قناعة عميقة مهما مرّ على صاحبها من صعاب فهو لا يحيد عنها على الإطلاق، فقد يدفع الواحد منا إلى الرضوخ بغية إتمام المشوار حتى إنه قد يرضى بأقل مما يستحق، بل ويسلك درباً غير ذلك المخطط له مسبقاً، إلا أن الأمر ليس بنهاية المشوار فكل شيء قابل للتعديل؛ لتعود الأمور إلى نصابها الطبيعي، ولعل الإصرار كان ولا يزال وسيلة لفرض الذات وإقناع الغير بأن للكل وجهته الخاصة وأحلامه المستقلة؛ تلك التي يجد فيها ذاته، ويسخّر فيها إمكاناته، ويفجر فيها طاقاته.

إن متلازمة الأحلام والعقبات، الطموحات والعثرات، تعد أبرز علامات المسار الصحيح وسط متاهة الاختيار؛ تلك التي تدفع الإنسان إلى الخضوع تارةً والمواجهة تارةً أخرى، دون فقدان الأمل في أن الحلم الكبير غداً سيصبح واقعاً أكيداً.

المصدر – مدونات هاف بوست عربي

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية