“غوانتنامو قصتي”.. هكذا حققوا معي

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 3:06 صباحًا
“غوانتنامو قصتي”.. هكذا حققوا معي
سامي الحاج
سامي الحاج

من العقوبات القاسية التي كانوا يطبقونها: إرسال المعتقل إلى غرفة انفرادية يسمونها “العزل”، وهي عبارة عن عنبر مغلق كله بالحديد، ومُبرد بواسطة تكييف مركزي، وفيه إضاءة ساطعة بشكل دائم، وهو مطليٌّ من الداخل باللون الأسود القاتم. وكل من يُرسل إلى هذا المكان تُحلق لحيته وشاربه وشعر رأسه، ويمنع من حيازة أي شيء في ذلك البرد القارس والإضاءة الساطعة واللون المعتم. أما إذا لم يتسبب المعتقل في مشكلة وصادف هوًى أو مزاجاً لدى المحققين، فإنه ينقل إلى درجة أخف عقوبة، مثلاً من الرابعة إلى الثالثة أو من الثالثة إلى الثانية.. وهكذا. وأبسط الحقوق الشخصية للمعتقلين صارت مجالاً للعقوبة والتأديب!

وُضعتُ في الدرجة الرابعة في عنبر سيارة، وكنت قد اصطدمت بالمحقق الذي عرض علي العمل مع الاستخبارات الأمريكية، فقرروا معاقبتي بهذا الشكل، ولكنهم حتى تلك اللحظة لم يقنطوا ولم ييأسوا. ذات يوم، أخذوني إلى التحقيق، فوجدت عربياً قدم نفسه باسم عادل، وقال: أنا من العراق ولكنني عشت في الكويت. وفعلاً كان يتكلم اللهجة الكويتية، وأثناء حديثه قال إن لديه مشكلة مع الأمريكيين، وإنه مكث معهم سبعة عشر شهراً وهو معتقل، وبعد ذلك تحول إلى موظف معهم، ثم إلى عميل، يعمل معهم مترجماً من الإنجليزية إلى العربية.

ثم تكلّمت المحققة التي بدت وكأن لها وجهاً تنهشه شعلة من مشاعر شتى مختلطة؛ فيها الخوف والقسوة والانتقام، فتحت الملف وقالت لي: “أنت المعتقل 345، طالعتُ ملفك ولا يوجد لديك إشكال معنا. وقد جئت إلى هنا خطأً، ونحن بصدد تصحيح هذا الخطأ وإجراء الترتيبات اللازمة لإخراجك من المعتقل”. استمعت إليها بهدوء، فواصلتْ قائلة: نحن في حاجة إلى بعض ترتيبات سأبدؤها معك بعد أن توليتُ ملفك.

سألتها: ما الذي تعنيه بالترتيبات؟ فقالت: ألم تتفق معنا على أنك ستعمل معنا؟ قلت لها: عن أي عمل تتحدثين؟ قالت: تعمل معنا مثل ما تعمل معنا الآن”. قلت: لا، أنا لم أقل إنني سأعمل معكم، ولا أعمل معكم الآن. فما الذي جعلك تفترضين ذلك وترتّبين عليه نتائج من قبيل هذه الترتيبات التي تتحدثين عنها؟ قالت: ألم تقل إنك ستتعاون معنا؟ قلت لها: “التعاون مختلف عن العمل. فأنا أتعاون معكم بأن أجيب عن أسئلتكم وأرد على استفساراتكم، لا أن أعمل معكم بأي صيغة من الصيغ!

عند التحقيق تتوفر كميات من الأكل الطيب لتكون باباً من أبواب الجذب والتأثير في هؤلاء الجوعى المساكين المحرومين من الضروريات

قالت: هل أنت متأكد مما يعني كلامك هذا؟ أجبت: بـ”نعم”! فقالت: “عجباً! لقد أبلغوني أنك جاهز وأن عليَّ أن أبدأ معك برنامج التهيئة للخروج! قلت لها: لا، لست جاهزاً إلا للأسئلة التي تعنيني وتعني ملفي فقط. قالت: إذاً ربما يكون هناك خطأ في الأمر، فأنا حقيقةً مكلفةٌ بتهيئتك، حتى إذا خرجت كان لديك إلمام كاف بالعمل المطلوب منك. قلت لها: أعتقد أنك مخطئة وأنك تسلَّمت ملفاً خاطئاً. قالت: “لا، لقد أبلغوني بأن رقم 345 جاهز للتعاون! فقلت لها: لا مانع من أن تراجعي مسؤوليك، فأنا لست مستعداً للعمل معكم.

إغراءات التحقيق أرجعوني إلى الزنزانة، وبعد فترة أخذوني مجدداً للتحقيق، وجاءت امرأة غير الأولى، لتحقق معي، فقالت لي: لقد جئت إلى هنا لأسألك فقط ولا شيء غير ذلك، فهل عندك مشاكل من أي نوع؟ فأنا أود أن أساعدك! بدا فعلاً أنهم وضعوني في الدرجة الرابعة من أجل الضغط عليَّ، فقلت لها حتى أبدو ساذجاً في الرد: ليست لدي مشكلة سوى وجودي في هذا المكان، أقصد غوانتانامو. قالت: صحيح، أنا أعرف أن هذه مشكلة، ونحن سنسعى إلى حلها، وقريباً ستعود إلى أسرتك، في الأسبوع المقبل سنلتقي بك، فهل تود أن تأكل مأكولات معينة؟

كان ذلك أسلوباً آخر من أساليب التحقيق، فالأكل يكون سيئاً داخل المعسكر، وعند التحقيق تتوفر كميات من الأكل الطيب لتكون باباً من أبواب الجذب والتأثير في هؤلاء الجوعى المساكين المحرومين من الضروريات، فضلاً عن أطايب المأكولات. قلت لها: لا، أنا لا أريد شيئاً. قالت: نحن مُصرُّون. قلت: ما دام الأمر كذلك فهات ما لديك. قالت: أتحب أن تأكل؟ وماذا تحب أن تأكل؟ طبعاً لم أكن لأطلب منها اللحوم الحمراء لأنني لا أرى وجهاً شرعياً لأكل ذبائحهم، فقلت لها: أريد سمكاً وخضراوات، فقالت لي: سنعزمك على سمك لذيذ.

بعد أسبوعين أخذوني إلى التحقيق مرة أخرى قائلين إنهم جاءوني بسمك جيد. سلموني الأكل فقلت لهم: ماذا تفعلون؟ قالوا: نترك لك الطعام حتى تأكل، فقلت لهم: “أنا اليوم صائم”، قالوا: “لا بأس، سنحضر لك الطعام، فمتى تفطر؟ قلت: “أفطر عند الغروب ولكنني وقتئذٍ لا أحتاج إلى أكلكم فالأكل الذي يأتيني في الزنزانة يكفيني. قالت المحققة: لا، لقد عزمناك وسنحضر لك الأكل. بالفعل قبل المغرب بنصف ساعة أخذوني وكان بجواري الشيخ مطيع، فكلمته في الأمر وشرحت له القصة فقال لي: يا سامي، هذا رزق ساقه الله إليك، فسمِّ الله عز وجل وكل، وادعُ على من ظلمك. ذهبت إليهم، وفعلاً أحضروا الطعام ومعه حلويات وشوكولاتة وعصير فواكه، وكانت المرة الأولى التي آكل فيها طعاماً فعلياً منذ أن اعتُقلت.

أفطرت ودعوت على من ظلمني امتثالا لتوجيه الشيخ مطيع، ولما عدت إلى الزنزانة كان الوقت وقت توزيع الطعام، وكان الجنود يعرفون أنّني أكلت، وأخبر بعضهم بعضاً بما رأوا من الأكل أمامي. فلما حضروا سألوني بصوت خفيض إن كنت أريد أكلاً. فقلت: بلى أريد طعاماً، فقال الجندي: جيد، سنعطيك الطعام حتى لا يعرف الآخرون أنك أكلت هناك، وحتى لا تلفت نظرهم. كان أمراً مضحكاً لأنني لم أدع أحداً يصل إليه حديثي إلا أخبرته الخبر، ولكن كما يُقال “ويل للشجي من الخلي”.

كان بعض الجنود يتحرشون بالمعتقلين، يجدون أحدهم نائماً فيوقظونه ويطلبون منه أشياء تافهة كالقيام بتحريك الصابونة عن مكانها مثلاً، أو يصدرون إليه أمراً سخيفاً

مذكرات آخر الليل وتناهى إلى أذني صوت خطوات زوجتي تقترب: “أما زلت مستيقظاً سامي!” من صوتها اضطرب الطائر الليلي على إفريز النافذة بينما رحت أقول: “نعم يبدو أن ذاكرتي الليلة في توقد مثير، نعم لقد استدعت الكثير”. “حسناً، إعطنى الورقة والقلم وأملي عليَّ، لا بد أن يدك قد أرهقتها الكتابة”. “لا، أرجوك عودي إلى الحجرة وآوي للفراش، أنا بخير ولم يزل هناك ما لم أكتبه”. على نحو ما لا ح أن حوارنا قد أزعج طائر الليل فأفرد جناحيه المهيضين ثم ضمهما ثم ضرب فحلق وطار. وانتبهت لصوت زوجتي وهي تقول: “لا. دعني أساعدك، أملي عليّ وسأكتب أنا. أنا أعرف العربية وإملائها على نحو جيد”.

بدت زوجتي مصرة للغاية لكني لم أرد لها الإرهاق والسهر؛ غير أني آخر الأمر قلت لها “خير. إذن خذي الورق والقلم واكتبي:

في تلك الأيام سمعنا بخروج أول دفعة من غوانتنامو، كانوا من الأفغان، ومنهم رجل كبير في السن أظنه فوق الثمانين. كان بجواري في عنبر ليما (L) واسمه: حجي فيض الله، وكان معنا منذ بداية مقدمنا إلى المعسكر. كان ذلك الرجل لا يستطيع فتح كيس الطعام، وكان لا يستطيع أن يفعل أي شيء. حتى الجنود أنفسهم كانوا يقولون إن هذا الرجل لا يستطيع أن ينفع نفسه فكيف يكون مقاتلاً عدواً ويُؤتى به إلى هذا المكان؟! الرجل عاجز فعلاً وقد بلغ من الكبر عتيا، حتى إنه لا يستطيع ترتيب شرابه ولا تنظيف مكان جلوسه، فكان عندما يخرج إلى الحمام أو غيره، يطلب بعض الإخوة من الجنود أن يسمحوا لهم بتنظيف زنزانته. جزاهم الله خيراً.

فمن لطف الله عز وجل أن كان هذا الرجل في الدفعة الأولى التي خرجت من هذا المعتقل التعيس. وعندما خرجت تلك الدفعة توقفتُ عن الإجابة عن أسئلة المحققين، فيسألون: لمَ لا تجيب؟ فأقول لهم: لقد وعدتموني أن أكون أول من يخرج من غوانتانامو، وها قد خرجت دفعة أولى ولم أكن من ضمنها. كانوا يحاولون إقناعي بأن تلك الدفعة أفغانية، وستليها أخرى عربية وأني سأكون من ضمنها.

في أحد الأيام كنت في عنبر سيارة، وكان بعض الجنود يتحرشون بالمعتقلين، يجدون أحدهم نائماً فيوقظونه ويطلبون منه أشياء تافهة كالقيام بتحريك الصابونة عن مكانها مثلاً، أو يصدرون إليه أمراً سخيفاً. كنت أرى الجندي يوقظ المعتقل بتلك الطريقة المزعجة فانزعجت غاية الانزعاج. وفي أحد الأيام، أيقظوا معتقلاً يمنياً يدعى أحمد عمر.. ففتّشوه، ثم ضربه أحد الجنود في منطقة حساسة من الجسم، فسقط مغشياً عليه من الألم. لم أتحمل ذلك فقمت باحتجاج أعترف الآن بأنه كان مبالغاً فيه ولكن كما قال عمرو بن كلثوم: فإن الضغن بعد الضغن يبدو *** عليك ويخرج الداء الدفينا

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية