مراحل السيرة وموقف الأمّة الحالي

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 2:41 صباحًا
مراحل السيرة وموقف الأمّة الحالي
غير معروف

عامة كتّاب السيرة النبوية يقسّمون الكلام عليها إلى مرحلتين (مكّية – مدنية)، والمكية ترمز عندهم إلى الاستضعاف، والمدنية ترمز للتمكين وإقامة الدولة، في حين أن بعض الكتّاب (مثل الدكتور علي الصلابي) قد أشار إلى مرحلة في الوسط يطلَق عليها (التدافع)، وهي ترمز لبداية الإذن في الجهاد المسلح بعد الهجرة وتنتهي في العام الخامس بعد غزوة الأحزاب، أما الأستاذ منير الغضبان في كتابه (المنهج الحركي للسيرة النبوية) فقد جعلها خمس مراحل، ومن وجهة نظري الشخصية أرى أن السنوات الثلاث الأخيرة من المرحلة المكية مع ما قبل موقعة بدر من المرحلة المدنية يمكن أن تمثل مرحلة أُسَمّيها: المُدافَعة غير المسلحة، ثم بداية من غزوة بدر مرورا بأُحُد والأحزاب تسمى: المدافعة المسلحة، ثم بعد ذلك تحول الأمر ليكون هجوما لا دفاعا، بعدما قال النبي عليه الصلاة والسلام: “اليوم نغزوهم ولا يغزوننا”.

وبناء على وجهة نظري نجد أن المراحل خمسة كما قسمها الأستاذ الغضبان، مع اختلاف يسير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وبما أن الحركة الإسلامية حاليا تخوض المعركة بأُطُرها الثلاثة (الدعوية – السياسية – العسكرية) نستطيع أن نقول بأن حال الأمة الإسلامية حاليا أشبه بهاتين المرحلتين، مع وجود شيء من الشبه اليسير بالمراحل الأخرى؛ لذا.. يتوجب على قيادات الحركة الإسلامية مدارسة السيرة النبوية بشكل تفصيلي يؤهلهم للقيام بواجبات المرحلة، فقد قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ)، وقال صلى الله عليه وسلم: “عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذ”. وإذا كنا مأمورين باقتفاء أثر النبي عليه الصلاة والسلام في كل شؤون حياتنا.. فأولى بنا أن نتلمس خطاه في الانتقال والتحول من الاستضعاف إلى التمكين وإقامة الدولة. والملاحَظ في هاتين المرحلتين أنه رغم الصعوبات والتضييق الشديد الذي مر به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، إلا أن أحدا منهم لم يفكر في التراجع إلى الوراء أو تقديم تنازلات ترضي قريشا كي تتوقف عن ملاحقة المسلمين وإيذائهم، أو من أجل تهدئة الأوضاع لحين استقرار أمور الدولة بالمدينة. فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من حصار الشِّعْب ثم مات عمه أبو طالب الذي كان يحميه، وماتت خديجة رضي الله عنها التي كانت تؤازره ماديا ومعنويا، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن خرج للطائف يعرض عليهم الإسلام (وهذا يُعتَبَر تصعيدا) لأنه بمثابة الاستقواء بالخارج في لغة عصرنا، مما حدا بقريش أن تمنعه من دخول مكة لولا إجارة المُطعَم بن عدِيٍّ له ودخوله في حمايته. واستمر عليه الصلاة والسلام في التصعيد حيث بدأ يدعو وفود الحج وزوار مكة ويتبعهم في المواسم بمِنى قائلا: «مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟».

يوم مؤتة فعل خالد بن الوليد خدعة أجبرت جيش الروم على الانسحاب، ومن ثَمّ انحاز هو بجيش المسلمين وعاد إلى المدينة، فيكفي فيه أن من تم إحصاؤهم من شهداء المسلمين كانوا اثني عشر رجلا فقط

كما أن هزيمة أُحُد كانت سببا في جرأة قبائل العرب على مسلمي المدينة، حيث بدأوا يفكرون في الهجوم على المدينة واستئصال المسلمين هناك، فكانت دعوة قبائل بني أسد تحت إمارة طليحة بن خويلد الأسدي لغزو المدينة، فأرسل لهم رسول الله سرية بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد ففرّقَتهم ومزّقَت شملهم وهربوا في الجبال، كما بدأ خالد بن سفيان الهُذَلي في حشد جيوش قبائل هُذيل لنفس السبب، فأرسل له النبيُ عليه الصلاة والسلام عبدَ الله بن أنيس وتمكن من قتله، ثم كانت غَدرة عُضَل والقارة التي قُتِل فيها عشرة من أفاضل الصحابة (منهم عاصم بن ثابت وخبيب بن عَدِيّ وزيد بن الدثنة) فيما اشتهر باسم (حادثة الرجيع)، وقبل الإفاقة من الصدمة كانت واقعة بئر معونة والتي قُتِل فيها سبعون من القُرّاء والعلماء، بعد خيانة رِعْل وذكوان وعصيّة، (وقد قَنَتَ صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس شهرا كاملا يدعو عليهم). حيث لم يتمكن من الانتقام منهم حينها.

وباستثناء غزوة بني النضير (مع خلاف في توقيتها) لم يكن للمسلمين نصر يُذكر في هذه المرحلة العصيبة، وغالب السرايا التي تحركت تجاه قبائل العرب لم تصب منهم أحدا سوى قتل عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهُذلي. وفي خِضَمِّ هذه المصائب المتتابعة.. كانت الفاجعة الكبرى باحتشاد الأحزاب لغزو المدينة في عشرة آلاف مقاتل، وصاحَبَ ذلك أزمة المنافقين وخيانة يهود المدينة. ولم يتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوة واحدة، ولم يضعف أحد من الصحابة، بل قالوا: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)، كما كان عليه الصلاة والسلام يبشرهم “أوتيتُ مفاتيح الشام وفارس واليمن” تثبيتا وتحفيزا. حتى مرّت الأزمة العاصفة بسلام، ثم تبدل الحال تماما، ورفع المسلمون شعار: “اليوم نغزوهم ولا يغزوننا”.

والمتأمل للسيرة جيدا يلاحظ أن المنهج النبوي كان يتأرجح بين الثبات للمحافظة على ما وصلت إليه الدعوة، وبين التقدم من أجل تحقيق مكتسبات جديدة، ومن ثمّ لم يكن في منهجه عليه الصلاة والسلام التراجع أمام العدو أبدًا، أما ما حصل من عمار بن ياسر رضي الله عنه فهو واقعة عين لا تمثل المنهج بحال، فقد قُتل ياسر والد عمار، وقُتلت أمه سمية، وعُذب بلال وصهيب وخبّاب وغيرهم، لذلك قال القرطبي: أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة. اهـ، ومع الإقرار بجواز فعله نقول: هو خيار فردي لا يجوز فرضه على الأمة بحال. وأما صلح الحديبية فكان عقدا بين قوّتين متكافئتين فيه مكاسب للطرفين وتنازلات منهما معا، وقد كان في مجمله لصالح المسلمين، لذلك سماه الله عز وجل فتحًا مبينًا (ولعلي بإذن الله أخصص لقصة الحديبية مقالا خاصا). لكن مما ينبغي أن نؤكد عليه هنا: أن الفارق كبير بين العقد الذي يتم بين قوّتين متكافئتين، وبين ما تُسمى بالمعاهدات لكنها في الحقيقة إملاء لشوط المنتصر.

وأما يوم مؤتة حيث فعل خالد بن الوليد خدعة أجبرت جيش الروم على الانسحاب، ومن ثَمّ انحاز هو بجيش المسلمين وعاد إلى المدينة، فيكفي فيه أن من تم إحصاؤهم من شهداء المسلمين كانوا اثني عشر رجلا فقط في مقابل آلاف لم تُحْصَ من جيش الروم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: “ثم حمل الراية سيف من سيوف الله يفتح الله على يديه”. بيد أن الانسحاب في معركة شيء والتراجع بالأمة كلها مرحلة كاملة شيء آخر مختلف تماما، وها نحن نرى نتائج التراجع والتقهقر أمام أعدائنا، وكيف أن ذلك يزيد الخسارة لا يقللها، ويطيل المسافة لا يقصرها. والله من وراء القصد

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية