الفيس بوك.. منصة مسرحية عملاقة

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 2:01 صباحًا
الفيس بوك.. منصة مسرحية عملاقة
تيسير أبو عودة
تيسير أبو عودة

ربما لأنني جايلت مدمني الكتب الصفراء في باكورة عمري، ورائحتها، وجيل الكاسيتات القديمة، وأفلام السينما المحمومة بالنوستالجا والحب المعجون بحكايات نجيب محفوظ وصوت عبدالحليم وأم كلثوم والموسيقار عبدالوهاب، فأجدني أقف على عتبات الجيل الرقمي، وأنا أفقد الكثير من الأصدقاء، وربما أنسى نبرة أصواتهم الحقيقية خلف شاشات منصة مسرحية عملاقة صارت تجمعنا، ولا تجمعنا بحسب تعبير الفيلسوف سلافوي جيجيك.

صار الفيس بوك كرنفالا افتراضيا لكل مجاميع النشاط اليومي الراهن في صورته ما بعد الحداثية: رغم وجود السرديات الكبرى وتغلغلها في كل تفاصيل حياتنا من هيمنة رأسمالية وتوحش أمبريالي أنجلوساكسوني، وفوضى سلطوية تمارسها أقطاب السلطة الكونية، فثمة سرديات صغرى، تجعل من المواطن المجهول إمبراطورا متخيلا يقف على خشبة المسرح الفيسبوكي ويتقيأ كل عقده اليومية والنفسية ورغباته في التعبير عن صوته الذي ظل مكبوتا في وحل النسيان سنوات طويلة.

هو يخبرنا يوميا بأهميته وأهمية رأيه، بل ويغضب ويسب ويحذف بعض الأصدقاء الذين يخالفونه الرأي، وربما يصبح سارقا محترفا لأفكار الآخرين، فمرة يصبح شاعرا يدندن ببعض مفردات نزار قباني دون أن يشير إلى مصدر النص، ومرة يتقمص شخصية محمود درويش الشعرية، فتراه يستبيح جدارية أو مديح الظل العالي في عبارات فجة ممجوجة، ومرة يتقمص دور الروائي في تقمصه لضمير الروائي وسردياته، ومرة يشعل سيجارة الفيلسوف الوجودي وهو يسب الحياة والآخرين واصفا عدميته غير الواعية بأغرب التعابير.

الفيسبوك ليس قناة إعلامية أو اجتماعية للتواصل الاجتماعي بين الناس، وإنما هو مسرح كرنفالي مهول تتقاطع فيه كل أشكال التناقض السوسيولوجي والسيكولوجي والأيدولوجي البشري

الملفت للانتباه أن صاحبنا الفيسيبوكي المسرحي في صورته الشخصية والجمعية يستجمع قواه اللغوية لكي يقول لنا جميعا “أنا هنا” وأحتاج كثيرا أن أشاطركم الرأي، أن أبصق على غلاء الأسعار، أن أحتج ولو مسرحيا، أن أجرب طاقتي اللغوية والسوسيولوجية لكي أخبركم جميعا “أنني أمتلك هوية فيسبوكية قادر على محاكاة صورتي المتخيلة”. لا نستطيع أن نختزل المسرح الفيسبوكي بمنصته العملاقة في صورة الفيسبوكي المواطن المجهول، لأن هذه المنصة متنوعة جدا، وممتدة ثقافيا وايبستومولوجيا، وأيدولوجيا، ولغويا، ولأننا جزء جرم صغير في هذه العالم المتخيل المهول، حيث تتقاطع البرولوتاريا مع الأرستقراطية والبرجوازية مع كل الطبقات المجتمعية وكأننا أمام كرنفال روائي عملاق لروائي كبير، والشخصيات التي تتحرك وتتفاعل وتتكلم هي نحن: مواطنو هذا العالم.

المحاكاة كفعل لذة فيسبوكية لست هنا في صدد التفريق بين صيرورة المحاكاة لدى أفلاطون أو أرسطو، ولكن يبدو فعل المحاكاة مغريا كلما فكرنا في ظاهرة الفيس بوك كمنصة مسرحية عملاقة تحاكي الواقع والطبيعة وتحولهما لواقع جزئي أو كلاني، وفي الحالتين يصبح العالم صورة فيسبوكية تختزل لدى المليارات من البشر في بوست ساخر أو خبر عاجل قد يسبق المحطات الإعلامية الكبرى أحيانا، أو في مشاركة لمناسبة اجتماعية، ولكن كيف تحدث مفارقة اللذة لمن يقع في فخ المحاكاة، وكيف تتمظهر المحاكاة لمستخدمي الفيسبوك الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم على حد سواء؟

لا بد لنا أن نستوعب فكرة العالم الأخطبوطي الذي تحكمه السوق الحرة والرأسمالية المتأخرة، وما يسميه نعوم تشومسكي وإمانويل وولورستين الحكومة الشركة، وهي التي تجعل فكرة السوق الحرة دائما أمرا محتوما، ولا يمكن للدول أن تجد بديلا عن النظام العالمي الرأسمالي، والذي يجعل من فكرة التضخم والضرائب المتزايدة وشبكات الفيس بوك والتويتر، وارتفاع نسبة البطالة، واختراع خطابات ليبرالية جديدة لمحاربة الإرهاب ونشر ثقافة حقوق الإنسان أمرا داروينيا متطورا لا يمكن لأحد أن يفلت من قبضته. ولكن ما يحدث يناقض كل هذا التصور الأفلاطوني الزائف: العالم يسير إلى الخلف، والحروب والقلاقل والأزمات السياسية والاقتصادية تشرد الملايين كما حدث في سوريا واليمن وليبيا، وغيرها من الدول.

عندما سأله صحفي “ما هو أكثر شي تكرهه في مظهرك؟”، فكانت إجابة جيجيك رغم سخريتها في غاية الواقعية المسرحية “إنه يجعلني أبدو على حقيقتي”

وكأني بسفينة الحمقى التي تحدث عنها ميشيل فوكو تجوب عباب بحر عملاق من الانفجار السردي الدوغمائي والمتطرف واليميني والشوفوني. ولكن ما علاقة الفيسبوك بكل هذا؟ ثمة مسرح فيسبوكي عملاق يجعل من فعل المحاكاة للواقع والوهم أمرا متشابها. الفيسبوك ليس قناة إعلامية أو اجتماعية للتواصل الاجتماعي بين الناس، وإنما هو مسرح كرنفالي مهول تتقاطع فيه كل أشكال التناقض السوسيولوجي والسيكولوجي والأيدولوجي البشري.

العالم يهرب باتجاه وهم الفسيبوك، لا ليحل مشاكله، بل ليجد متنفسا مسرحيا بتعبير أرسطو يبث من خلاله آهاته وأوجاعه وخيباته، ولكي يبحث صاحب الحساب الفيسبوكي عن جمهوره المتخيلين، والذي يشتركون معه في سؤال المعرفة سطحيا كان أم عميقا، حتى يجعلوا من خطابهم الفيسبوكي أفيونهم الآني والراهن، والذي تتجلى من خلاله أعراض العنصرية والتمييز العرقي، والتباهي بالوطن المقدس، والتباهي بالأصل والعرق والجذور والهويات القاتلة.

وبما أن التشابك الفيسبوكي هو فعل سوسيولوجي وسيكولوجي ومعرفي، فكما يعرف أرسطو المحاكاة، نجد ثمة تقاطع بين المحاكاة الفسيبوكية وبين مبدأ اللذة المحمومة بالتلصص وملاحقة أخبار الآخرين بل والتجسس عليهم، ونشر الأكاذيب والإشاعات المسمومة أحيانا أخرى. يقول آرسطو: “إن المحاكاة أمر فطري موجود لدى الناس منذ نعومة أظفارهم، والإنسان يفترق عن بقية الأحياء بأنه أكثرها محاكاة، فهو يتعلم أول ما يتعلم عن المحاكاة.

ثم أن التلذذ بالمحاكاة أمر جمعي، والدليل أننا قد نتلذذ بالنظر إلى الصور بالغة الدقة كأشكال الحيوانات الدنيئة والجثث الميتة”. ربما يريد أرسطو أن يقول إن فكرة التلذذ الجمعي هنا كفعل معرفي بشري قد تحدث في أكثر المشاهد مفارقة، كمشهد الموت وصورة الجثث الميتة والتي تبعث فينا شعور التقزز، وإن بدت فكرة التلذذ حاضرة كغريزة وجودية تشعر الإنسان بأهمية فعل التشارك العاطفي والوجودي مع الآخرين رغم أن المآلات النهائية للفيس بوك تجعل منا أكثر الكائنات عزلة ووحدة في عالم تزايدت فيه الحالة الافتراضية وصارت المحاكاة البديلة للواقع المسخ، وقل فيه التواصل الحسي العاطفي أو ما يسميه علماء السيكولوجيا ” الافتراض الواقعي”.

سرديات الشك وسرديات اليقين تكمن المفارقة ما بعد الحداثية للفيس بوك مسرح عبثي عملاق في قدرته على استقطاب الداعشي المدجج باليقينيات الواهمة، والتطرف الأيدلوجي المتوحش ويقابله العلماني التنويري، والسلفي المعتدل والسلفي المتطرف، واليساري الأنسانوي ، واليميني المتشدد، والكوني الممتد الذي يتشرب كل الهويات، والشوفوني الذي يرى ألوان علمه الوطني الصورة المثالية لفكرة القومية، والمواطن المجهول كما يسميه الشاعر الأمريكي أودين. يصبح المواطن الفيسبوكي الضحية والجلاد في آن واحد، يتوارى خلف صورته الجديدة المسرحية، وبين أصابعه لغز الهوية، وفي لسانه سر التناقض الهوياتي بقضه وقضيضه.

يخرج علينا زائر فيسبوكي على غرة وبين يديه قنبلة افتراضية وهو يصرخ “اقتلوا كل ما هو مختلف وغريب” فيرد عليه فيبسوكي آخر “المجد للاختلاف والتنوع الثقافي”. ولعل الصورة المسرحية المرعبة للفيسبوك تكمن في ذوبان المخيلة الواقعية للهوية الفيسبوكية لمن نعرفهم سابقا ولاحقا. كثيرا ما نصدم بالأشخاص الذين نراهم وجها لوجه، نصدم بلغتهم، بحركاتهم، بابتسامتهم، بصورهم الطاعنة في الواقع!

الأمر يشبه إجابة الفيلسوف جيجيك عندما سأله صحفي “ما هو أكثر شي تكرهه في مظهرك؟”، فكانت إجابة جيجيك رغم سخريتها في غاية الواقعية المسرحية “إنه يجعلني أبدو على حقيقتي”… وتبدو هذه السرديات المسرحية في تناقضها الفيسبوكي محاكاة هزلية للواقع الهش، عندما يصدق الممثل المسرحي الفسيبوكي كذبته الكبيرة، بعد أن يحصد عددا مهولا من اللايكات.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية