عندما تجزى “الأم” بالنسيان

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 1:42 صباحًا
عندما تجزى “الأم” بالنسيان
أيوب حميش
أيوب حميش

غريبة وعجيبة هي الأم، بأحاسيسها الصادقة والجميلة وحبها اللامتناهي لأبنائها، تعطي دون مقابل، مثال لا مثيل له لعطاء بلا حدود، أقف ذاهلا للأم فهي منبع للحب والحنان والعطف، تقدم الكثير والكثير، تؤثر عن نفسها أبنائها.

أقف وقفة امتنان وسلام للأم لأعبر لها عن شكري واحترامي، بقلبها الكبير المعطاء، حملت وربّت لسنوات، تحملت الآلام والأحزان، تحملت سهر الليالي وتعب النّهار، وهبت عمرها وحبها لتربيتنا علَّمتنا حسن الأخلاق وأروع القيم، منحتنا كل معاني الإخلاص والحب والوفاء، حدَّثتنا عن فصول الحياة وتقلباتها، لننقلب عنها في آخر فصول حياتها بعد أن هرمت فلم يعد لها حول ولا قوة.

هي الآن بحاجة لمن يخفف عنها عناء السنين، لمن يحضر لها طعامها، لمن يغسل لها ثيابها ويساعدها على لبسها برفق، لمن يحاكيها ويؤنس وحدتها بعد أن اعتلى الشيب رأسها ورسمت الأيام التجاعيد على وجهها الجميل، لنجازيها بالنكران للجميل. بعدما صنعت منا رجالا، بعد أن حملتنا لسنوات حتى اشتد عودنا وأصبحنا أكثر قوة، بعدما آمنت بقدراتنا وشجعتنا على مواجهة الحياة بكل أخطارها، كانت لنا الأمان، منحتنا الأمل كلما تهاوينا، كانت ترى فينا أشياء كبيرة وجميلة.

ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، أما آن لقلوبنا أن ترق وتفتح ثناياها للأم إجلالا وتعظيما، أما آن لذلك الحب الذي جمعنا لسنين أن يرتقي ويسمو تجاه الأم

ليتم التخلي عنها، ربما في الشارع أو ربما وضعها بدور المسنين هناك حيث ظلمة الليالي، حيث الساعات الطويلة لتعاني من الوحدة، هنالك لم تتبق لها سوى ذكريات الماضي الجميل، لتضمد بها جراحها التي مزقت أطراف قلبها، بوجهها المنهك الذي لم تزره يوما تلك الابتسامة النابعة من القلب، بدموعها التي تروي الأسى والمعاناة، والتي تذرفها في كل لحظة تذكر قصتها.

أماه يا أماه، ما ذنبك لتجازي بهذا النكران، أهكذا الجزاء والوفاء؟ ألهذا الحد بلغت القسوة في قلوبنا؟ أهكذا تحولت قلوبنا إلى صخور خالية من الرحمة والعطف؟ بعد أن وهبتِ حياتكِ لزرع تلك الأخلاق والقيم النبيلة في هذه القلوب المتقلبة، أهكذا أثمرت قلوبنا؟ أم أن الدنيا بملذاتها، وعولمتها، وأموالها وزينتها سلبت من القلوب رحمتها وعطفها، تلك القيم التي تلاشت في غفلة عن الروح، في لحظة انجراف إلى الدنيا، ما نفع الإنسان إذا لم يوف والديه حقهما؟! ربما لن نوفيهما يوما حقهما مهما قدمنا لهم، مادام فضلهم كبير علينا.

سامحينا يا أماه إن تذمرنا من رعايتك مهما تقدم بك العمر، سامحينا إن قاطعناك يوما أثناء حديثك ولم نعيرك أدنى انتباه، سامحينا إن انزعجنا من حديثك فصراخنا وكثرة أسئلتنا أيام الصبا لم يزعجنك يا أماه، سامحينا إن انشغلنا بهواتفنا أمامك وتجاهلناك، سامحينا إن تأففنا منك.

ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، أما آن لقلوبنا أن ترق وتفتح ثناياها للأم إجلالا وتعظيما، أما آن لذلكك الحب الذي جمعنا لسنين أن يرتقي ويسمو تجاه الأم، أما آن للذكرى أن تعيد سرد تلك اللحظات الرائعة والممتعة التي قضيناها مع أمهاتنا ونحن أطفالا حتى نستفيد من العبر، لأجل الدم الذي يسكن في عروقنا، لأجل الرضا، رضا الله ورضا الوالدين، أليست الجنة تحت أقدام الأمهات، فإلى متى سيظل الإنسان غافلا بأنه كما يدين يدان.

رغم كل الظروف وكل الأسباب كيفما تعددت واختلفت، لا يحق لنا بأي وجه كان أن نتخلى عن والدينا ونتنكر لهم، وأن نتناسى الجميل، لا يحق لنا أن نتمسك بالأعذار أهكذا أمر الإسلام؟ أهكذا أوصانا الرَّسُول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؟

لقد خص الرَّسُول -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الأم في وصيته بحسن الصحبة أكثر من أي شخص آخر ولو على حساب الأب “ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: يا رسول الله! من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمّـك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال أمّـك، قال ثم من؟ قال: أبوك”.

هي إذن دعوة لإعادة النظر في علاقتنا مع والدينا، لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان، قبل ساعة الرحيل، حينها لا ينفع الندم، عندها لا تبقى سوى الذكرى، فما نفع الذكرى حينها.

بعضنا قد فقد أمه، لعلهم يشعرون بالذنب لعدم شكران أمهاتهم على ما قدمنه من أجلهم، أو ربما يشعرون بالندم بعدما أساءوا معاملتهن، أو ربما يشعرون بالرضا والطمأنينة بعد أن قاموا بالواجب تجاههن، إنما الدعاء للوالدين أجمل ما قد يكون، “فعن أبي هريرة -رضي الله-أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.

لعلنا نكون من الصالحين، فندعو لوالدينا، ربما تنفعهم دعواتنا يوم الحساب ربما تغفر لنا خطيئاتنا تجاههم ليبقى الرجاء للمولى.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية