فليفرحوا بي متى شاؤوا

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 1:38 صباحًا
فليفرحوا بي متى شاؤوا
أسامة الشجراوي
أسامة الشجراوي

فلتعبر زوارقي مضائقهم، ولتُعانق نجومهم سماوات خيبتي، فليجتروا تنهيداتي، وليبتلعوا غصتي، وليُطفئوا لهيب عثرات زَمن تلذذ وأجاد الحِصار عُنوة، كمن يُرتل في عزائنا غُنوة، فليفرحوا.

وليُخرجوا ما سكننا قَسراً، وليدفعوا الحساب عنهم من فراغ جُيوبهم، وليقتلعوا أشواكا زُرعت على ضَريح براءتنا المُغتال، وليبحثوا معي عن الدهشة كُلما انطفأت في نفسي، وليمحوا آثار خطوات خُلاصات عُقولهم من على باحات جُنوني، وليضعوا آخر زر على ثوب حُزني، وليَخيطوه على أمتارهم. ومهما ارتسمت خطوط أهلتهم في واسع سمائي لن يأتي عيدي، وإن آتى عيدهم فليفرحوا.

ولتتراقص أجسادهم على مقابر ذكرياتي، وليأتوا بأقنعة بابتسامات مُزيفة، ولتتمايل خصور الخيبة الحاضرة بلا بطاقة دعوة في حفلي البائس، وليفرغوا أطباقنا من خياراتهم، ولتُطفئ شموعهم من كعكة ميلادي، ولتُكسر كُل كؤوسهم من حانات الهوي، فليفرحوا.

ولا تُقحموا معادلاتي بحساباتكم، ولا تطرحوا من أعدادكم أعدادي، ولا تضربوها على قوانين رياضياتكم، ولتُبعدوا صيف كلماتكم عن فصول قلوبنا الشتوية، ولتبعدوا زلال مائكم عن مستنقعاتنا، ولتشربوا حِبركم من أقلامنا، ولتطفئوا نور شَمسَكم من صيفنا، فمحاولات تجفيف الدمع من على ورقي لن تُجدي إلا ببزوغ شمسي. وليسكبوا عُطر ثغورهم على جسدي المترنح النحيل، ولينادوا بأبواق بَعثي من جديد، وليعيدوا خلق أحلامي بعد وئدها، فليفرحوا.

ليزيلوا أجهزة إنعاشهم عن أسرَّتنا، وليُزيلوا عقاربهم عن ساعاتنا، وليُصلوا على ما مات فينا، وليجيدوا السباحة في أنهار دموعنا، وليَكووا طيّات ثياب الدهر التي ترتدينا عُنوة

وليطوقوا عنقي بقلادة صمتهم الذهبي، وليمسحوا جيداً آثار شفاهي المتجرعة من كأس الخيبة، ولتهرب أكفاني راكضة من مقابرهم، ولتهرب شياطينهم من سماواتي، وليخلعوا نِعال أفكارهم من محرابي، ولا يلطخوا قُدسية المحراب المُطرز بما بقي من أصالة، وليفسخوا خطوبة ودهم لي، وليُجهض عشق آتي بعد مضاجعة لا تناسب شرعيتي، فليفرحوا.

وليزيلوا أجهزة إنعاشهم عن أسرَّتنا، وليُزيلوا عقاربهم عن ساعاتنا، وليُصلوا على ما مات فينا، وليجيدوا السباحة في أنهار دموعنا، وليَكووا طيّات ثياب الدهر التي ترتدينا عُنوة. وليُخرجوا بعدساتهم مشهداً اختلقوا فيه أنه موعد أفراحنا، وليكفوا عن التسكع في أزقة امتلأت جُدرانها بطبشور ذكرياتنا، وليرفعوا أقلامهم عن تسطير أبطال رواياتنا، وليبحثوا عن قلوب بأقاصي الفؤاد كانت تتأوه، وليعبروا صحراءنا باحثين عن ذواتنا بدلاً منا. وليضعوا شيئا من ملح دموعنا على لُعاب ألسنتهم التي احترفت اللهو بعبثية الاقوال، فليفرحوا.

وليلقوا بثلج عِباراتهم على فُوهات براكين ثوراتنا التي تزداد تأججاً بأمطارهم، وليبعدوا جمرهم عن مواقدنا، ولينتظروا اليُسر لنا في مطارات انتظارنا، وليرسموا طقوسا لفرحة نسبوها إلينا وقَبل أن نشعر بها فليفرحوا. فتجملوا بالصمت من فضلكم وقبل أن أفرح بي، لا تفرحوا.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية