تأملات في الحياة

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 1:35 صباحًا
تأملات في الحياة
محمد حيدرة مياه
محمد حيدرة مياه

إن للدهر لو تأملت صرفا *** يكسب المرء حكمة واعتبارا يطول العجب من هذه الحياة، من أحداثها وتقلباتها، بدايتها ونهايتها، حقيقتها وماهيتها ولا ينتهي العجب، فهذه الحياة سلاسل متتالية من الأيام، وسيل هادر من السنوات، وخليط متناقض من المشاعر، وكثير من الأفكار والفلسفات المتضاربة، وصراع يكبر في مساحة ويصغر في أخرى، ويتمدد في زاوية ويتقلص في أخرى.. هذه الحياة التي تنبض في ابتسامات الصباح، وتدب في أوراق الشجر، وأحاديث الفلاحين، وتبحر في أحلام الصيادين، ويحملُها المطر ماءً يغيث الشجر والنبات والأنعام والبشر وكل الدواب على وجه البسيطة.

(1) وإن تعجب فعجب أن يقول لك الحكماء: “زاحم فميدان الحياة زحام”، وترى بنفسك طابور الزحام وغباره في ميدان الحياة لدى بوابات النجاح، وكشكات المستقبل، وساحات التنافس، ثم إنك لا تفتأ حتى ترى أناسا آخرين غير مبالين، لا يزاحمون سوى الفراغ، و لا يسيرون إلا في الطريق الرَّحْب، ويبذلون أقل الجهود، ويهتدون لِأَخْصَرِ الطُّرق، ومع ذلك يظفرون بما يريدون، وينالون ما يبتغون، وفقَ قِسمة الرزق، ومنازل الحظوظ، فلا تدري أي الفريقين أحق بالاتباع، وأي المسارين أحق بالاقتداء؛ أتزاحم أم تحجم؟ أتنافس أم تعتزل وتزهد؟ أتركض نحو قدرك بأقصى ما تستطيع أم تجلس خلف باب بيتك حتى يطرق عليك؟

(2) إن خيار المزاحمة جهدٌ وعمل وتَوْقٌ دَفَّاقٌ، يتطلب السعي والإلحاح واللَّجَاجَ في الغايات، وخيار اللاَّمبالاة ليس أكثر من برودة أعصاب في التعامل، وزهد في المكاسب، وإعراض عن التنافس، وفي النهاية كلاهما أسلوب لدى البعض لنيل المطالب والظّفَرِ بالمُراد (قل كل يعمل على شاكلته) و(كل ميسر لما خلق له). من قبل قال أبو العلاء المعري: تَـعَبُ كُـلّها الـحَياةُ فَـما أعْجَـبُ إلاّ مِـنْ راغبٍ في ازْدياد! إنّ حُـزْناً فـي ساعةِ المَوْتِ أضْعَافُ سُـرُورٍ فـي سـاعَةِ الـميلادِ

لكن إيليا أبو ماضي جاء من بعده يهتف في الناس بلسان التفاؤل والبشارة: هو عبءٌ على الحياة ثقيل *** من يظنّ الحياة عبئا ثقيلا والذي نفسه بغير جمال *** لا يرى في الوجود شيئا جميلا ليس أشقى مّمن يرى العيش مرا *** ويظنّ اللّذات فيه فضولا

من أنصت للدهر، وقرأ صفحات الأيام، علَّمته التجارب أن لا راحة إلا بعد التعب، و لا سعادة إلا بعد النَّصَب، ولا يدرك قيمة الحياة إلا مكافح مزاحم، يرى في غروب الشمس زوال يوم من عُمره

(3) ترى هل هذه الحياة التي يقضيها مغترب في تجارته، هي نفسها التي يقضيها طالب في انتظار تخرجه، وحارس أمام بوابته، وسجين في مؤبده، وفتاة في انتظار أحلامها، ومريض في انتظار شفائه، والطفل في انتظار بلوغه، والهرم في انتظار وفاته، وراع خلف قطيعه، وبدوي في صحرائه وجباله؟ سيل من الدقائق والثواني، وحفنة من الأيام، وشيء من السنوات العابرة..يمر على الجميع، المساء هو المساء والليل هو نفس الليل يتعاقب على الجميع، وتشرق عليهم ذات الشمس، لا أحد منهم يمسك شيئا من ماضيه و لا هو ضامن شيئا من مستقبله، والحياة مستمرة بعنفوانها، بحروبها وسلمها، بفصولها الأربعة، بكل شيء فيها.. لا تأبه لطيش العابثين، ولا لكدح الجادين.

يقول الشاعر الموريتاني المختار بن حامدن: يفوت العمر في طلب المَعاشِ *** وفي رعي المعاشر في المعاش وفي سقي العطاش بكل بئر *** ثقيل عندها سقي العطاش وفي طلب الطَّياش وإنَّ طيشا *** فوات العمر في طلب الطَّياش !

وكأن الشاعر المختار في بيته الأخير يوافق المتنبي في قوله: ومن ينفق الساعات في جمع ماله *** مخافة فقر؛ فالذي فعل الفقر!

(4) في أيامنا هذه يتم استعراض مشاهد الحياة اليومية للبشر على “الفضاء الأزرق” حيث يعج بأخبار الأموات والأحياء، وأخبار النجاح والدراسة والعمل والزواج والسفر، وأحداث السياسية والاقتصاد، وأحاديث الفقه والتاريخ والأدب، فما نقرأه هنا انعكاس لحركة الحياة اليومية وتقلباتها بين الشدة واللين، والضيق والفَرَجِ، والعسر واليسر، وتقلب مشاعر الناس تبعا لذلك بين الفرح والحزن، والغضب والرضا، ولا تزال نفوس بني آدم -كما القرى والمدن- تشهد الإقبال والإدبار والعمران والخراب، في مسيرة دائبة، وحركة مستمرة، فالحياة سفينة ذات ألواح ودسر، تجري على أمر قد قُدِر، تَضرب فيها أمواجُ السعادة شاطئ الشقاء، ظاهرها حوتٌ يبلع حوتا، وباطنها لُطْفٌ وتسخير، والموفق من فهم سرها، واهتدى للطريق الصحيح، وعرف غايته من هذه الحياة، وهدفه الأخير.

فالحياة ليست عبثية كما يبدو للبعض، وإن كانت حياتهم هم “عبيثة”، لأنهم لم يعثروا على الطريق الصحيح، ولم يهتدوا للغاية الكبرى، فعاشوا الحيرة والخذلان، أما من أنعم الله عليه بوجود “طريق” يسلكه، و”هدف” يسعى له، وعمل يزاوله، فقد امتلك كنزا عظيما، حرم منه كثيرون، فليحسن السير في الطريق، وليجد العمل، ولا ينسى “الهدف” (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).

(5) حبُّ السـلامةِ يثني هم صاحبهِ عن المعالي ويغري المرء بالكســلِ فإن جنحـتَ إليه فـــاتخذ نفقاً في الأرض أو سلماً في الجوِّ واعتزلِ من أنصت للدهر، وقرأ صفحات الأيام، علَّمته التجارب أن لا راحة إلا بعد التعب، و لا سعادة إلا بعد النَّصَب، ولا يدرك قيمة الحياة إلا مكافح مزاحم، يرى في غروب الشمس زوال يوم من عُمره، فلا يشغلك التفكير في أمواج الغد، عن التجديف بين أمواج اليوم، “وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل..” وراحتك عند أول قدم تضعها على عتبة الجنة.

المصدر –  مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية