أنا مسلمة.. فما الذي يحدث؟

مريانا بدويةآخر تحديث : السبت 16 سبتمبر 2017 - 1:17 صباحًا
أنا مسلمة.. فما الذي يحدث؟
سندس الحريري
سندس الحريري

أسأل نفسي ما ديانة الحكام الذين يضرون بمصالح شعوبهم المسلمة ويهاجمونهم، هل هم مسلمون فعلا؟ ثم أعلم أن إطلاق الأحكام والتصنيفات لن يجعلني أتأمل جيدا في الوقائع، أو أن أرسم صورة ذهنية عما يحدث، وبالتالي لن يزيد وعيي أو يحسّن رؤيتي ومعرفتي عن الموضوع فأحول دفة تفكيري إلى عرض معلوماتي السابقة وتذكّر تجاربي ثم محاولة الربط بينهم لعلي أرسم صورة تُهدّئ من تفكيري.

أنا أعيش الآن في تركيا، في نهار رمضان أن ترى نسبة كبيرة من المفطرين شيء عادي، ولا أقصد أن ترى بعض المفطرين الذين من الممكن أن يكون مرخّص لهم الإفطار كالمرضى أو المسافرين، إنني لا أحب الشعور بالخزي الشديد الذي نشعر به نحن الذين تعودنا في بُلداننا على المبالغة بالتمسك بالشعائر لدرجة ترك الرُّخص التي شرّعها الإسلام، ولهذا من السريع أن نحكم على المخالفين بالسوء، رغم أنه من الممكن أنه يأتي رخصة، ما أقصده الكثرة الكبيرة من المفطرين حيث لا قداسة للشهر المبارك ولا نَفَس مسلم أو ميول للشعائر التعبُّدية، أقول في نفسي إن هذا ما كان يريده أتاتورك ونجح في تحقيقه، أي قَلْب توجه المجتمع، تستطيع أن ترى بين الأتراك من يمارس شعائر الدين ويوجد احترام بين جميع الأطياف، إلا أنك لا تستطيع تجاهُل أن النّفَس العام للبلد هو حصر الإسلام بأنه تواصل الفرد مع ربه فقط وبشعائر تعبدية يمارسها الفرد بحرية دون الإضرار بتوجه عامة المجتمع، والتوجه هذا هو البعد عن منظومة الفكر الإسلامي وروحه.

ومنظومة الفكر الإسلامي هي روح القرآن الكريم والسنة النبوية، ما يُعرض في القرآن والسنة من موضوعات كالإيمان بالله والتوحيد والبعد عن الوثنية، الأخلاق وتزكية النفس، حب الله وتعظيمه بالقلب، تاريخ الأمم السابقة وأخذ العبر، تبجيل العلم وتعلم التفكير وإعمال العقل وكل هذا هو الجوهر، ثم ما يتبع هذا الفكر من تأثير على إقامة الشعائر وتطبيق الأحكام الدينية. إن منظومة الفكر الإسلامي ترى الشعائر التعبدية والأحكام الدينية على أنها التوابع التي تُحافظ على شكل الهوية المسلمة وهي كالنتائج وفروع الشجرة المكتملة، والجوهر هو كجذر الشجرة وجذعها، حتى لو قُصّت الفروع فإن الأصل باق، إنك تستطيع أن تجد بين المسلمين من لا يطبق الأحكام الدينية لأسباب كثيرة، كضعف الإرادة، أو جو الأسرة والبيئة المحيطة أو الجهل بتطبيق هذه الأحكام، أو لأسباب نفسية غامضة تدفع الإنسان لعدم القيام بها، إلا أنك تجدهم يعظمون حق الله ونبيه في قلوبهم ويرون ضرورة الاتصال به وحب للمجتمع المسلم وأمل به وإيمان بالضعف الإنساني مقابل القوة الإلهية، ورغبة لتطوير القدرة الإسلامية بحيث تكون حاضنة للجميع مشجعة للقدرات الفردية لها متميزة عمن سواها، وإيمان بالقيم الإسلامية العادلة واعتزاز بالرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، وحب السلف الصالحين والتاريخ والتراث الإسلامي دون مبالغة.

هذه القيم إن أردت مقارنتها بالقيم الغربية فستكون هي الفارق، نعم ستجدهم بشوشين وحسنوا التعامل، مجدّين مخلصين في أعمالهم، لديهم عوامل الحضارة المادية وهي أمور حثّ عليها الإسلام، إلا أنهم يؤمنون بقدرة الإنسان بمعزل عن حاجته لله، وليس هناك توجه عام بضرورة تعظيم الخالق في القلوب وضرورة الاستعانة به، وأن هذا الكون ملك له، ولو لم يكن جوهر الدين هو هذا لما كان التركيز على تنشئة الصحابة رضوان الله عليهم مبنيٌّ على التوحيد وتزكية النفس أولاً.

أقمت في دبي شهوراً، أسمع الكثير يُعجب بدبي ويقول إنها مدينة مميزة، لا أدري هل هي كذلك فعلا؟ أنا عربية مسلمة أشعر في تركيا بالانتماء أكثر من شعوري به وأنا في دبي! بالتالي أشعر بالنفور منها، في كل الحالات إلا ما ندر أنا مضطرة أن أتحدث بالإنجليزية لقضاء الحاجات، وأن أحتفظ بتوجهي المسلم لنفسي لأن معظم الذين أتعامل معهم لا يَدينون بالإسلام أصلا، تغريب للمجتمع مدروس ومُمنهج حتى أنك تكون في بلد مسلم عربي إلا أنك تحتفظ بهذين العنصرين لنفسك ولا تستطيع أن تتفاعل مع المجتمع باستخدام هويتك الأم، عليك أن تنزِعَها عنك.

إن الدين في فلسفة الناس إذا لم يُعملوا العقل ويطلقوا العنان للروح سينحصر بعبادات والقليل من الأخلاق التي لا بد أن يتخلق بها الضعيف فقط، ثم يتحول بالتدريج إلى دين وثني بطقوس تعبدية

إنني عندما أكرر كلمة (روح إسلامية) فإنني أكررها عن وعي، ذلك أنه عندما قضيت رمضان في دبي وذهبنا لصلاة التراويح في مسجد كبير جداً، عظيم جداً ورائحته رائعة اعتقدت أنني سأصلي صلاة ساكنة، إلا أن الإمام بدأ بقراءة سورة الصمد في الركعة الأولى، ثم بقراءة آية أو آيتين ببالغ السرعة والركوع بعدها، كانتا ركعتين سريعتين تشبهان أي شيء إلا الصلاة! وعلى هذا المنوال سيكمل صلاته، وهنا نرى أنه ظاهرياً يقيم العبادة، لكنّ حقيقةَ ما شعرتُه هو أنه يستهزئ بالصلاة، إذ غابت الروح الإسلامية وبقيت منه أشكال.

الإنسان بطبيعته وفطرته يميل للاعتقاد بوجود خالق، ويطمح بالتواصل معه، وأن يَعلم سبب وجوده على الأرض وما المطلوب منه، وبالتالي فإن الطبيعي أن تكون المجتمعات متجهة لهذا الطابع مع ترك من لا يريد ذلك بشرط ألا يَضُر بالتوجه العام، جاء الإسلام ليُطبّع هذا، ويأبى شياطين الإنس والجن إلا أن يُغيّروه، في عصرنا توجه عام لنبذ الإسلام والهجوم على أساساته، حث الإنسان أن يعيش بلا قضية وأن يَستهلك الإنسان حياته لأجل إشباع اللذة والشهوة، يتعلم ليستعلي على الآخرين ويثبت نفوذه وسطوته وليس لله!

استغناء واستقلال عن الله وبعد عنه تماماً في التعاملات وسلوك الحياة، ويريدون الحفاظ على هذا التوجه، اعتنق ما تريد لكن أبقه في شكل مظاهر وعبادات فقط وأما ما يُقبل من بقايا الأخلاق الإسلامية فيجب ألا يتعدى التسامح مع العدو، أكثر من هذا لا يصح، أن تؤمن بقضية إيمانية، أن تحمل فكر إسلامي فإنهم سيعلنون أنك مضر بالمسيرة المتجهة إلى نكس الفطرة القاصدة لتغيير توجهات المجتمعات من أفراد ذوو قضايا وإيمان وحريات إلى أفراد سطحيين يسعون إلى الملذات.

غرابيب سود وإعلان زين المشوِّه للحقيقة، ثم تسريبات سفير الإمارات التي تكشف التواصل مع الحكومة الصهيونية، ثم قطع العلاقات مع قطر والهجوم على الجزيرة لنزاهتها، كل هذا أقلقني، إن القضية ليست هجوماً على الإسلام بحكمه دينا من الأديان، إنهم ليس لديهم مشكلة لكونه دينا فالكثير ممن يُهاجمونه يَدينون بالإسلام، إن الدين في فلسفة الناس إذا لم يُعملوا العقل ويطلقوا العنان للروح سينحصر بعبادات والقليل من الأخلاق التي لا بد أن يتخلق بها الضعيف فقط، ثم يتحول بالتدريج إلى دين وثني بطقوس تعبدية، وهذا ليس مزعجاً لعبدة الشهوات والهوى، على العكس إنه مقوي لسطلة القوي وآخذ لحق الضعيف منه، إلا أن الإسلام إيمان وقضية وعدل وروح وهذا صعب على من يعبد الهوى.

وبعد هذا حَلَلْتُ عن نفسي إلحاح التساؤل وثِقل القلق بسبب التشوش، فيصبح من المنطقي تشويه الدين ب “داعش وغرابيب سود”، وتشويه الحقيقة ب “زين”، واعتزاز السفير الإماراتي بشراكته مع إسرائيل، وقول الإمارات عن قطر إن عليها وضع تعريف عن الإرهاب واضح! كل هذا لقلب التوجه العام للمجتمع المسلم وأي روح أو نَفَس إسلامية فيه وبالتالي تصبح البيئة خصبة جداً لخلق مجتمع القطيع.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-16 2017-09-16
مريانا بدوية