إلى سيدة أميركية

مريانا بدويةآخر تحديث : الأربعاء 13 سبتمبر 2017 - 11:41 مساءً
إلى سيدة أميركية
أدهم شرقاوي
أدهم شرقاوي

المكان: بقعة ما من هذا الكوكب المُخزي تُسمّى “أمريكا”!

الزّمان: لا يهمُّ فبعضُ الأشياءِ عارٌ بغض النّظر عن زمن ارتكابها!

أماّ الحدث: شرطيٌ أبيض يقتلُ رجلاً أسودَ أعزلَ بدمٍ بارد، تبيَّن فيما بعد أن ذنب القتيل كان لونه! فثارت حفيظة السُّود، وسُفك دم، وشهدَ العالمُ أن أمريكا تبعدُ عن الحضارة بُعد الأرض عن الشَّمس! وأكثر ما آلمني بعد مشهد قتل إنسان بلا جريرة هو مشهد في اليوم التالي، حيث انتشرتْ صورة لامرأة سوداء أمام رجال الشرطة الذين احتشدوا لقمع المتظاهرين مكتوب فيها: لسنا عرباً لتقتلونا ونسكت!

وكالعادة أجدني من فرط العجز إذا أغضبني مشهدٌ كتبتُ عنه! ثمّ تبيّن فيما بعد أنها فوتوشوب! وفي الحقيقة هذه ليست أول مرّة أُصدّق أمراً يتبيّن لي لاحقاً أنه فوتوشوب، صدّقت مرةً أن بلاد العُرب أوطاني، ثمّ اكتشفتُ أن أوطاني لا تعطيني فيزا لزيارة معرض كتاب! وصدّقتُ اتفاقية الدّفاع العربيّ، ثم شاهدتُ العراق يُحتل والعرب يتفرّجون! وصدّقتُ أن فلسطين هي القضيّة المركزية، ثمّ اكتشفتُ أن انتقال بوغبا إلى مانشستر يونايتيد أكثر مركزّية منها! وأكثر شيء مضحك صدّقته هو أننا بشر، ثمّ لما رأيتُنا نُسحل في رابعة، وسوريا، اكتشتفُ أنّ حياتي ليست إلا مسلسل فوتوشوب، وأنّ هذه الصورة لم تكن الخديعة الوحيدة، المهم أنني كتبتُ ذات فوتوشوب رسالة إلى تلك المرأة أقول لها:

تحية طيبة وبعد:

لم نكن أيتها الموقّرة أول أُمّة حررت عبيدها فقط، وإنما أول أمّة جعلتهم سادة!

اعلمي أن وقوفكِ كالجبل مطالبة بحقك هو محط تبجيل وتقدير عندي، فأنا أحترم أولئك الذين يستميتون للدفاع عن حقوقهم، لأي دين أو ملّة أو عرق أو لون انتموا، وأمقتُ الخانعين ولو كانوا ذوي قربى! ولكن لعلكِ لا تعلمين أنه منذ ألفٍ وأربعمئة سنة، أي قبل اكتشاف أمريكا بقرون، كان بيننا رجل له نفس لون بشرتكِ، اسمه بلال بن رباح، اتخذه نبيّنا مؤذناً، وفي العرب ناس أشرف منه نسباً، وكان خليفتنا يقول عنه أمام الناس: بلال سيّدنا، وأعتقه سيّدنا. فلم نكن أيتها الموقرة أول أمة حررت عبيدها فقط، وإنما أول أمة جعلتهم سادة!

ولم نكن كما نحن اليوم، كان عندنا دولة تفوق دولتكِ قوةً، وحكمنا بلاداً ما كان لكم أن تحكموها إلا بشقّ الأنفس، وكنا بالناس رحماء على عكس دولتكِ إذ حكمتْ، ولم نكن أذلاء نُقتل فنسكت، وحدث في التاريخ مرتين أن جهزنا الجيوش لأجل امرأة واحدة أُهينت، مرة في عهد نبينا، ومرة إذ خرجت امرأة تستنجد خليفتنا قائلة: وامعتصماه.. فقال لها: لبيكِ، لأبعثنّ لكِ جيشاً أوله عندكِ، وآخره عندي، واقرئي إن شئتِ عن فتح عموريّة!

أيتها الموقرة:

كنا قوماً أولي بأس شديد، وإذا مرت سفننا في البحر الأبيض المتوسط باتجاه الأندلس كفّتْ كنائسكم في إيطاليا عن قرع أجراسها كي لا نغضب ونفتحها!

وعندما كتب خالد بن الوليد إلى كسرى يتوعده، وخالد بالمناسبة كان رجلاً أخبر بالحرب من كل جنرالات البنتاغون، أرسل كسرى إلى ملك الصين يطلب المدد، فرد عليه ملك الصين: لا قِبل لي برجال لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها!

وعندما كان قادتكم يسيئون الأدب في رسائلهم كنا نرفض أن نكون أهل كلام كما نحن اليوم، فقد كتب هارون الرشيد إلى نقفور يقول:

من هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع، والسلام!

وهارون أيتها الموقرة هو الذي كان يخاطب السحابة في كبد السماء، ويقول لها: أمطري حيثُ شئتِ فسيرجع إليّ خراجكِ!

ولا تحسبي أننا لم نكن إلا أهل حرب، وإنما كتبتُ إليكِ بناءً على ما كان منكِ، كنا أهل عدل أيضاً، لا نقبل أن تُهان الأقليات أو تظلم، وعندما ضرب ابن عمرو بن العاص قبطياً لأنه فاز عليه بالسباق، وجاء القبطيّ شاكياً إلى عمر، أرسل عمر في طلب عمرو وابنه، ولما حضروا بين يديه قال للقبطيّ: اضرب ابن الأكرمين كما ضربك، وقال قولته المشهورة التي تفتقدونها اليوم في بلدكِ: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.

وإذا كنتم اليوم تعلموننا حقوق الإنسان، فقد علمناكم حقوق الحيوان منذ ألفٍ وأربعمئة سنة، وكان خليفتنا يغضب إذا رأى ناقة تحمل فوق ما تستطيع فيزجر سيدها، وكان حفيده يقول لأعوانه: انثروا القمح على رؤوس الجبال كي لا يُقال: جاع طير في بلاد المسلمين!

إسرائيل تقصفنا بأسلحتكم في غزة، فهل سكتنا؟ وبصمتكم وتخاذلكم نُقتل في سوريا، فهل ركعنا؟

كنا أيتها الموقرة أهل علم أيضاً، عندما كنا نأسر لم نكن نُعري أسرانا كما فعلتم في أبي غريب، وإنما كنا نطلب من أحدهم أن يعلّم عشرة منا القراءة والكتابة نظير حريته! وكان خليفتنا يعطي وزن الكتاب المترجم ذهباً، وفي عام 1313هـ؛ أمر ملككم فيليب بإحراق المصابين بالجذام لأنكم كنتم تعتقدون أن هذا المرض لعنة من السماء، كنا قبل هذا بستمئة عام قد أقمنا مستشفى متخصصاً لعلاجه! وعندما حكمت كنيستكم على جاليليو جاليلي بالحرق لأنه قال أن الأرض تدور، كان البيروني قد سبقه لحساب قطر كوكب الأرض بدقة! وعندما كانت أوروبا عمياء كان ابن الهيثم يؤسس علم البصريات، وعندما كنتم تعدون أغنامكم على أصابعكم كان الخوارزمي منشغلاً بتأسيس معادلات الرياضيات، وعندما كنتم تمشون على الأرض كان ابن فرناس يحاول أن يطير!

لو بقيتُ أعدُّ لكِ ما انتهينا، ولكني أكتفي!

السيّدة الموقرة:

كما رأيتِ؛ لم نكن كما نحن اليوم، ولكن إذا أردتِ أن تعرفي لماذا نحن هكذا فاسألي دولتكِ عنا، سليها عن قواعدكم العسكرية في بلادنا، سلي حكومتكِ كم حاكماً نصّبت وكم حاكماً عزلت، ثم من قال لكِ أننا نُقتل ونسكت؟ إسرائيل تقصفنا بأسلحتكم في غزة، فهل سكتنا؟ وبصمتكم وتخاذلكم نُقتل في سوريا فهل ركعنا؟

أيتها الموقرة:

إن كنا ضعفاء اليوم فبما اقترفت أيدينا، ولكنكم لستم أبرياء بما وصلنا إليه، وإن كان مقتل رجل واحد بدم بارد قد أثار حفيظتكِ، فنحن نُقتل كل يوم، إما بأيدي جنودكم أو بأمر حكومتكم.

من حقكِ أن تغضبي لأنهم لم يعاملوكم كبشر، لكن هل سألتِ نفسكِ كيف تعاملوننا؟!

والسّلام

أدهم شرقاوي

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-13 2017-09-13
مريانا بدوية