القصيبي الإرهابي (4).. ما بين الشعر والسلطة!

مريانا بدويةآخر تحديث : الأربعاء 13 سبتمبر 2017 - 10:32 مساءً
القصيبي الإرهابي (4).. ما بين الشعر والسلطة!
 سعدية مفرح
سعدية مفرح

يحلو للبعض أن ينظر لغازي القصيبي بصفته إشكاليا من نوع خاص، فهو القريب من السلطة دائما لم يكن لينسحق تحت وطأتها، وكان الشاعر الروائي قبل أن يكون الوزير السفير، وفي كثير من معاركه الصاخبة كان غازي القصيبي واضحا رغم الغبار الذي كان يحيط بهذه المعارك منذ معركته الأولى التي أشعل شرارتها ديوانه الشعري الثالث “معركة بلا راية” حيث نظر إليه بعض المتزمتين عند صدوره العام 1970م نظرة شك سرعان ما تحولت إلى اعتراض ومطالبة بمنعه من التداول.

حيث توج وفد منهم إلى الملك فيصل رحمه الله مطالبا بمنع الكتاب ومعاقبة الشاعر أو على الأقل فصله من الجامعة. لكن يبدو أن هناك من أشار على الملك الراحل بأن الديوان لا غبار عليه، كما يروي غازي نفسه في كتابه المميز “حياة في الإدارة”، وهكذا خرج الشاعر من تلك المعركة منتصرا فكررها لاحقا مرات عديدة اختيارا أحيانا واضطرارا أحيانا أخرى.

وفي قراءة سريعة لديوان “معركة بلا راية” نكتشف أن الديوان يحتوي على مقاربات شعرية كالمقاربات السائدة عربيا آنذاك وخصوصا فيما يخص القضية الفلسطينية، ولكن من الواضح أن الواقع السعودي يومها كان شديد الحساسية من تلك المقاربات ذات النفس الثوري في مجملها. ورغم أن تلك المعركة المنطفئة لم تكن لتتصاعد أكثر إلا أنها نبهت إلى ذلك التشابك المبكر ما بين الشاعر والسياسة في خضم القصيدة، وسأشير هنا مثلا إلى قصيدة كتبها الشاعر في أعقاب زيارة السادات للقدس في العام 1977، أو كما يسميها “الحج”، وهي قصيدة “لا تهيئ كفني”، ومنها:

31 2 - القصيبي الإرهابي (4).. ما بين الشعر والسلطة!

أي سلم ترتجي من رجل

ضج في أعماقه الحقد الألد

دير ياسين على راحته

لعنة تتبعه أيان يغدو

سترى إذا تنجلي عنك الرؤى

إنه للحرب لا السلم يعد

أن ما ضيع في ساح الوغى

في سوى ساحتها لا يسترد

يقول القصيبي عن ظروف كتابته لتلك القصيدة التي وجهها لمن أسماه ببطل الزيارة؛ “أن إسرائيل حققت الانتصار الذي ظلت تخطط له منذ وجودها وربما قبل وجودها عندما حج إليها رئيس أكبر دولة عربية، الدولة التي كانت تمثل قلعة الصمود العربي في رحلة للسلام، كان من الواضح لكل ذي عينين أنها لن تنتهي إلا بالاستسلام للإرادة السياسية الأقوى، وهذا ما كان.

كنت ليلة الزيارة المأساة أرقب التفاصيل على الشاشة الصغيرة وأنا أبكي بحرقة، لا أذكر أنني بكيت منذ وفاة سيدي الوالد كما بكيت ليلتها، كنت أرى بحدس يشبه اليقين أن النتيجة ستكون سلاماً منفرداً تتبعه حالة من التمزق العربي تعني في غياب معجزة يصعب حصولها هيمنة إسرائيلية فعلية على العالم العربي بأكمله.” ومن يقرأ القصيدة كاملة في سياق ظروف كتابتها كما ذكرها الشاعر يعرف أي اندغام عاشه القصيبي في الشعر والسياسة منذ وقت مبكر.

وفي السياق ذي النفس القومي نفسه يمكننا أن نتتبع عناوين شعرية لافتة في سلسلة دواوين الشاعر في سلسلة قصائده وحسب، ومنها على سبيل المثال أيضا؛ “ورود على ضفائر سناء”، و “عقد من الحجارة”، و “يا فدى ناظريك”، وكلها كما تنبي عناوين تعبر في بعض قصائدها عن ذلك الاشتباك السياسي الشعري الذي جعل القصيبي عابرا دائما في مهب السياسة.. العربية أو القومية تحديدا.

33 3 - القصيبي الإرهابي (4).. ما بين الشعر والسلطة!

أما السياسة المحلية أو الوطنية فيكفي أن نشير إلى قصيدته الشهيرة في هذا المهب السياسي السعودي رغم أنها مهب خاص يعبر عن علاقة أكثر خصوصية ما بين رأس الدولة الملك والوزير الشاعر، وهي قصيدة “رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة.

فعندما أعفي القصيبي من منصبه الوزاري لأول مرة في العام 1984م بسبب تلك القصيدة الانتقادية القاسية التي نشرها بعنوان تنبأ بالنهاية المنتصرة له أيضا، كان الشاعر يقف عند محطة من محطات قطاره الشعري في هيئته السياسية بوضوح شديد رغم أن غازي يصف ذلك الحدث الذي تكون في سياق نشر القصيدة وتداعياتها بأنه “دراما إنسانية معقدة”.

ويبدو أن كل الأحداث التي مرت بغازي القصيبي لاحقا في تعالقاتها السياسية والإبداعية ينطبق عليها ذلك الوضع الدرامي الإنساني المعقد لكنه تعامل معها بخبرته الإدارية المشهود له بها، والموثقة في كتابه الأشهر “حياة في الإدارة”.

على أن إحدى أكثر محطات غازي القصيبي إثارة رغم وضوحها الشديد في انحيازها للحق الإنساني والوطني، والعروبي بصفته الأعمق، هي محطته التي تبلورت في عين العاصفة. وهي ما سأفصل الكتابة عنها في مقالة لاحقة بإذن الله.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-13 2017-09-13
مريانا بدوية