شآم.. ألم وأمل

مريانا بدويةآخر تحديث : الثلاثاء 12 سبتمبر 2017 - 10:18 مساءً
شآم.. ألم وأمل
أحمد حليوا
أحمد حليوا

أجنّةٌ نحن في رَحمِ الحياة نَركل الأيام لتُخرِجنا إلى واسعٍ مظلمٍ ولا نعلم أن الضيق كان خيرٌ لنا، نحاول النهوض وإشعال سراجٍ ينيرُ لنا الدربَ من أمامنا فتستشيطُ عواصف الظلام المتدفّقة من أنحاء العالم لتُبْهِتَ نورَه وتُحيطنا بهالةٍ من ديجورٍ أشدّ حلْكةً وسواداً، الهمّ الذي في القلب يرسلُ بريقه على الأعينِ فيرى واضحاً للناس مهما اجتهدنا في التواري، ليصرخ الدمع في المآقي مطالباً بالعُتقِ والخروج إلى طريقه الخاصِّ على الخدود، نتوسّل إلى الشوق والحنين أن يكفَّ عن إيلامنا كلّ الوقت بذكريات المجد تحت عرائشِ الياسمين في مدينة الياسمينِ – دمشقُ – فإذا ما رقّ قلبه لحالنا وهمَّ بالقيام والتحرير منه رجوناه وتوسلنا إليه بأن يبقى فلم يعُدْ لنا إيّاه مهما صدّعت جراحه في القلب.

ما آَلَ إليه الحالُ في دمشقَ لا يبكي أبناءها فقط بل ويبكي كلّ شيء، حتى الحجرَ المُتحطّم على ثراها قد أجهشَ بالبكاء، فأن تتحوّل أعرق مدينةٍ في التاريخ إلى مدينةٍ مكلومةٍ محتلَّةٍ من قبل أذْرُعِ الشّيطان، وطقوس الطغيان والقهر تُمارَسُ بكلّ جنونيّةٍ على أبناءِها ونساءِها دون رادعٍ يرْدعُهم – إلى الآن – لأَمرٌ لا يمكن أن يقوى عليه جبروت الصبر والاحتمال.

إن الفجر يأتي بعد الظلام وأنّ الحقّ لا يأتي طوعاً بل لا بُدّ من استجلابه ولا بُدَّ من انكسارٍ ليتبعه الجبْر وليس بعد العُسْر إلا اليُسْر

مقطعٌ صادمٌ بُثَّ لجنودِ الشيطانِ في أحد أحياء دمشق ملؤه التحرّش بالفتيات وإيذائهنّ أخلاقيّاً وصَفْعِ الأبناء المارّة لإشباعِ غريزتهم الفرعونيّة وهمْ بالسُكْر واحتساء الخمْر جهاراً على مرآى الأنظار دون أيّ ذريعةِ حشمةٍ وخجلٍ أو مراعاةٍ لطُهر المكان ورفعةِ مقامه بين المدائن، وأنه مركزُ نشْأةِ عدد من أعلام الأمّة الذين كان لهم بصمةٌ وأثرٌ واضحٌ دُوّنَ في سجلّات التاريخ على مَرِّ الزمان، وإنّ أشنعَ حربٍ نفسيّةٍ قَدْ تُفرَض على المُهجّر في منفاهُ هي تحوّل بلادِه إلى مسرحٍ لمشاهد مُفجعة وانحدار المستوى الأخلاقيّ من مضربٍ للأمثالِ إلى الدونيّة شيئاً فشيئاً -ناهيك عن ما تُعايشُه من قهرٍ وجُورٍ بشكلٍ يوميٍّ.

نشَأَت ثورة الشّام للتخلّص من حُكم العسكر والتحرّر من الاستبداد ولتُقدِّم نموذجاً حضاريّاً عن مدى قابليّة الشعب السوريّ للتقدُّم نحو الأمام والقدرة على التطوير، فلمْ يرتحْ بالُ الحقد ويهنأ نومه دون أن ينفُثَ سمّه في طُهْرِها وبرائَتِها فتسابقت شياطينُ الإنسِ لتقلِب الموازينَ وتُدّمر الآمال وتمنعَ امتلاك شعبٍ لحقِّه في التحرّر والتخلّص من قيود الأسرِ وأُولوهيّة الحاكم، وكل تركيزها قد صبّ على الشآم لموقعها وعراقتها وقداسة أهمّيتها بالنسبة لقرائنها من البقاع السورية -جغرافيّاً وثوريّاً- وبعد التمكّن من تأمين الضواحي ازداد تعجرف الأذلّة وحسبوا أنفسهم أعزّة، فانتُهكَت الحرمات وضُيّع الشباب ودُنّسَت أرضنا الطاهرة من خُبْثِ صنيعهم ورجسه، وكلّ ذلك دفاعاً عن سفّاح العصر وخائن الشعب، ولكنَّ التاريخ قد خطَّ في صفحاته أن الفجر يأتي بعد الظلام وأنّ الحقّ لا يأتي طوعاً بل لا بُدّ من استجلابه ولا بُدَّ من انكسارٍ ليتبعه الجبْر وليس بعد العُسْر إلا اليُسْر.

سيزهر الياسمينُ وتمتدّ عرائشُه على أكتافِ بردى ويتأرّج طِيبَه في أرضِّ الشّام وسمائها بعد أن سُقيَ من دمعِ الثكالى ودماء أبناءها وستندثرُ سُحُبُ الظلام بعد بزوغ فجرِ النصر الجابر للقلوب وتُقطع يدُ الخرابِ عن عمرانها ولو بعدَ حين.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-12 2017-09-12
مريانا بدوية