النساء والمجتمع.. فض الاشتباك مع الرجال

مريانا بدويةآخر تحديث : الإثنين 11 سبتمبر 2017 - 8:07 مساءً
النساء والمجتمع.. فض الاشتباك مع الرجال
أسامة الصياد
أسامة الصياد

تتصدر فقاعات التواصل الاجتماعي كل فترة مسائل نسوية وجدالات بلا حدود حول أدوار المرأة والرجل والتفاعلات في الحياة بينهما. مواريث وأعمال وحجاب وأطفال وتحرش واغتصاب وقوامة ونسوية وزواج وطلاق، وتربية وأبناء وغيرها وغيرها، وعناوين شتى لتلك الحلقة المفرغة التي لم أتخيل نفسي يومًا مشتبكًا معها، ولكن!

قرأت مؤخرًا عدة وجهات نظر حول نظرية الاشتباك مع الرجال، وحال المجتمع في التعامل مع المرأة، ولست هنا بصدد تقييم الأطروحات الانفعالية التي رأيتها تغلبها العاطفة أكثر منها المنطق والعقل، وهنا لا أتحدث عن النسويات الكاتبات في هذا المنحى، ولكن الرجال أيضًا.

المنظومة المجتمعية المتكونة من الرجل والمرأة ليست بعيدة كل البعد عن الاستبداد السياسي، وما يستتبعه من مآلات اقتصادية، وما يجره من آثار على مستوى المجتمع

ولا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من معاناة النساء في مجتمعاتنا العربية عند محاولة فض الاشتباك بين الرجال والنساء في هذه المعركة المتجددة مع كل “ترند”. رأيت أن كل هذه الجدالات والنقاشات والتناطحات قد تتجاهل السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات التي يعيش فيها الرجال والنساء، وفجأة شعرت أنني أمام مجموعات قادمة من دول اسكندنافية.

يُلوم رجال على النساء خروجهم لمساحات وإهمالهم أخرى، وتلوم النساء على الرجال عدم قدرتهم على القيام بدورهم في المجتمع، وبين هؤلاء أصناف عدة وخلفيات فكرية وثقافية شتى، لكن التلاوم هو العامل المشترك.

بينما يحاول الفريقان تجاهل أن هذا التعني لكلاههما له خلفيات أخرى سياسية واقتصادية وليس بالضرورة أن تكون المسألة جنسانية فقط كما يتصورون، حيث يعيش الجميع في دول تقهر الإنسان سواء كان رجل أو امرأة، طفل أو شيخ، وهو ما يُلقي بظلاله على المنظومات الاجتماعية كالزواج وغيره.

تلك المنظومة المجتمعية المتكونة من الرجل والمرأة ليست بعيدة كل البعد عن الاستبداد السياسي، وما يستتبعه من مآلات اقتصادية، وما يجره من آثار على مستوى المجتمع، نزولًا إلى الأسرة التي هي نواة هذا المجتمع، حتى الفرد بصحته النفسية والعقلية والجسدية.

لا يمكن لأحد أن يفهم هذا التأثير، وهو يُحاول أن يُناقش معضلة “العنف الأسري” على سبيل المثال لا الحصر وهو جالس في فقعته على مواقع التواصل الاجتماعي، ويكون أثير لبعض ثرثرات التجارب المحيطة به -مع كامل الاحترام لهذه التجارب-، لكنك يمكنك ببساطة أن تفهم الأبعاد الأخرى للمشكلة حينما تقرأ خبر عن رب أسرة يذبح زوجته وأولاده ثم يقتل نفسه بعد عجزه عن توفير قوت يومهم.

هذه ليست محاولة لإيجاد مبررات أو إثبات شيء أو نفي آخر، وإنما دعوة لترك الاختزالية والوقوع أسرى التجارب الشخصية ومحاولة فرضها على الواقع -المؤسف- دون النظر إلى باقي المشهد والصورة، وإلا نكون في مواجهة بارنويا الاضطهاد، وبارنويا التنصل.

لفض هذه الاشتباكات يجب أن تكون السلطة طرفًا في المعادلة ولا يتطاحن المجتمع بعيدًا عنها لتصبح في مأمن من تغير المزاج الشعبي، ما تعاني منه النساء ويتهم به الرجال السلطة طرف مباشر فيه، وكذلك العكس

معدلات الفقر والبطالة، رداءة التعليم، التسلط الأمني، الاستبداد السياسي، الفساد والرشوة، عدم تكافئ الفرص بين الجمهور، الحرمان من ممارسة الإنسان لأبسط حقوقه وغيرها من الأسباب الأولية هي أساس الفشل المجتمعي الذي نراه، ومن أسهل الأمور أن نعزي المشكلات بين الرجل والمرأة إلى الاضطهاد فقط.

وليس معنى هذا أن هذه المشكلات إذا حُلت سوف تختفي المعضلات المجتمعية بعصا سحرية، ولكن عندما تحصل على مجتمع صحي حي، ربما يكون هناك أمل في إجراء نقاش طبيعي غير متشنج، يخرج بحلول ثقافية ومعرفية.

وجل ما يحدث الآن في وجهة نظري هي محاولات تنفيس لا أكثر ولا أقل، تعجب الأنظمة الاستبدادية بشكل كبير، إذ يتحول المجتمع بأجزائه إلى عدو بعضه البعض، وبدلًا من وضع الحكومة في موضع المسائلة، تضع النساء الرجال والعكس بالعكس.

إن رؤية المشهد الاجتماعي في بلادنا بصورة كاملة يعطي أفق فهم للظواهر الاجتماعية الحالية السلبية منها والإيجابية، ويعطي تفسيرات للنزعات العنيفة أو غيرها التي تجتاح الأسر المصرية بصورة غريبة، بالقدر الذي تجتاح فيه العلاقات الإنسانية سواء بين الرجال والنساء أو حتى بصورة أعم في أبسط التعاملات اليومية.

وفض الاشتباك هذا بين التفسيرات المختلفة، يبدأ من هذه الرؤية، لتدخل السلطة طرفًا في المعادلة ولا يتطاحن المجتمع بعيدًا عنها لتصبح في مأمن من تغير المزاج الشعبي، ما تعاني منه النساء ويتهم به الرجال السلطة طرف مباشر فيه، وكذلك العكس، وعليه ربما يجب على جميع الأطراف أن تحاول ألا تقع أسيرة للرؤية الأحادية المختزلة، وللحديث بقية.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-11 2017-09-11
مريانا بدوية