إيرما.. وأميركا ذات العماد

مريانا بدويةآخر تحديث : الإثنين 11 سبتمبر 2017 - 8:01 مساءً
إيرما.. وأميركا ذات العماد
قادة الدين
قادة الدين

يشد الانتباه هذه الأيام ما يحدث في جنوب شرق الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصا في ولاية فلوريدا من أعاصير وطوفان ورياح ودمار، ويلفت أكثر أسلوب تعامل جزء مهم من أبناء شعوبنا مع هذا الحدث، على وسائل التواصل الاجتماعي، فظهرت مع ظهور الإعصار هارفي أصوات تتشفي في أمريكا ثم علت أكثر مع بزوغ نجم الإعصار إيرما، ليتفق عدد كبير من هؤلاء على أن ذلك عقاب إلهي لأمريكا على تنمرها على العالم وعلى تصرفاتها الظالمة في حق الشعوب المستضعفة ! وإن كنا نتفهم التشفي في أمريكا الدولة، لا أمريكا الشعب من قبل هؤلاء المتشفين، لاعتبارات كثيرة لا تخفى على أحد، لكن لم أستطع بتاتا استساغة ما يروج على أنه عقاب إلهي خصت به أمريكا على أفعالها وجرائمها؟ وقبل أن أخوض في تفاصيل استهجاني ذلك، أسجل أمرين مهمين:

أولا: ذلك الإعجاب الذي يتملكك وأنت تشاهد نظام وتطور وإبداع الأمريكيين سواء الشعب أو الدولة حتى وهم تحت الأزمة وفريسة للنكبة، فيتم إخلاء مدن مليونية بأكملها في ساعات، ويتابع العالم مشهد إقلاع مئات بل آلاف الطائرات من مطار واحد في سلاسة واقتدار من دون حادث واحد يذكر، وتمتلئ الملاجئ وقاعات الرياضة بالناس؛ فلا تشاهد تدافعا ولا زحاما ولا طوابير على أماكن التزويد بالطعام والمؤن، وتكافح شبكات الكهرباء العواصف الهوجاء والدمار الشامل ولا تنقطع إلا عندما يصل الضرر للعظم، وتحتوي المستشفيات وتتكفل بكل المصابين على قلتهم، ورغم هول الخسائر وعظم الخطب، لا تنقضي أياما حتى يعود كل شيء لمكانه وأصله، ويتكشف الأمر عن عدد محدود في القتلى!

إذا كان الباطل والظلم يجلب العقاب في الحاضر، فما يحدث من ظلم في بلاد العرب من قبل الأنظمة المستبدة، وما يجري من سفك دماء بغير حق، ليقتضي نزول الأعاصير والزلازل والجراد

وفي دولنا الموبوءة بالتخلف والاستبداد، نناضل يوميا وفي عز الأمن والطمأنينة والسلام، لنتخلص من زحام المرور، فلا يستطيع المسافر أن يغادر عاصمة مثل الجزائر أو القاهرة إلا بشق الأنفس، بينما تنتشر الطوابير في كل مكان بحثا عن الحليب والخبز والماء وقبض الراتب، وتموت النساء بحثا عن مستشفى لوضع موالديهن، ويسقط في ملعب كرة أو في تصادم قطارات أو في تدافع الحجيج أضعاف مضاعفة ما يقضي هناك خلال قيام هذه القيامة.

ثانيا: يدهشني هؤلاء الذين يملئون فضاء وسائل التواصل على النت، بالدعاء بهلاك أمريكا والتعجيل بانهيارها، وتدمير بنيتها التحتية، ولا يدري هؤلاء أنه لو وصل الضرر لخوادم النت العملاقة، فسينتهي الفيسبوك والتويتر وغيرهما، ولا يجدون حتى أين يكتبون أدعيتهم تلك، ولا وسيلة ليتواصلوا من خلالها أو يتابعوا أخبار العالم؟

ولا أدري كيف وقر في ذهن القوم أن تلك الأعاصير هي عقاب إلهي لأمريكا؟ رغم أنها ظاهرة طبيعية ملازمة لمنطقة الكاريبي، وخاصية من خصائصها، تحدث نتيجة عوامل مناخية بحتة تنتج عن ارتفاع درجة حرارة المحيط في المنطقة الاستوائية فيصعد الهواء الساخن للأعلى مخلفا فراغا وانخفاضا في الضغط، يستجلب الهواء من مناطق أخرى، ويتبخر الماء ثم يتساقط مطرا، فيولد الإعصار ثم يتقوى شيئا فشيئا عبر الطريق، ليضرب من دون تمييز فهي ظاهرة تحدث منذ آلاف بل ملايين السنين في المنطقة، وقبل ظهور الأمريكان الحاليين بأمريكا، ومنذ كان فيها فقط الهنود الحمر يطاردون ويغيرون على بعض بفأس التوماهوك، ضف أنها اليوم لا تصل لساحل أمريكا حتى تدمر دولا فقيرة مسالمة مثل بورتوريكو والدومينيكان وهاييتي وكوبا، لم يسبق لها أن تورطت في حروب أو توسع، أم أنها ضريبة الجغرافيا والوجود بالقرب من الظالمين؟ لكن البعض يصر على أن ذلك محض عقاب رباني، ويحشد من الآيات القرآنية الكثير ليدلل على رأيه، ويستشهد بما حدث للأقوام الذين كفروا من قبل، ورفض آخرون حتى تسمية ما يحدث بالكارثة وقالوا إن الإعصار جندي من جنود الله!

الله لن ينصر الكسلاء المتخاذلين، وسنن الله لا تحابي أحدا ولا تفاضل بين الناس، والشمس والقمر لا يخسفان لموت أو حياة أحد مهما كان، ولن يتقدم بنا سوى عملنا

نعم، أولئك الأقوام عرفنا الله عبر القرآن أنه خصهم بالعذاب، فمن أخبركم اليوم بالقصد من هذه الظواهر؟ ثم إن الله عز وجل ذاته وصف طوفان قوم نوح بالكرب العظيم، فقال: “وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ”، فلما لا يوصف الإعصار بالكارثة؟ وأكثر من هذا فهذه النوازل تصيب الناس في كل مكان ومنذ زمان، المسلم والكافر، بل إن عهد الصحابة وهم أفضل الناس قد شهد حدوث الزلازل والأوبئة، فهل يتوقع أن الله يعاقب هؤلاء النفر الصالحين على أقل الأخطاء والزلل؟ وإذا كان الباطل والظلم يجلب العقاب في الحاضر، فما يحدث اليوم من ظلم في بلاد العرب والإسلام من قبل الأنظمة المستبدة، وما يجري من سفك دماء بغير حق، ليقتضي نزول الأعاصير والزلازل والجراد، أكثر مما يحدث في أي بقعة أخرى من العالم، خاصة أننا نشهد بصدق على العدالة السائدة داخل أمريكا بين شعبها وتكافؤ الفرص المحقق بين أفرادها وسيادة القانون على الجميع، ومكانة الإنسان هناك، حتى إن مواطنيها قد خرجوا محتجين على منع مواطني دول أخرى مسلمة من الدخول لأمريكا، ورفضوا ذلك وتصدت المحاكم للسلطة القائمة من أجله! ثم لماذا لا يعمم العقاب على باقي الدول الظالمة مثل فرنسا وروسيا وبريطانيا ودولة الكيان الصهيوني، وهم مشاركون بنصيب في الظلم الذي طال ويطال العالم؟

ويعود القوم ليقعوا في التناقض والشطط، فيقول لك إن الغرب يدفع ضريبة كفره وزيغه! نعم هو ذاك، لكن هل السويد وسويسرا وإسبانيا دول تطبق الإسلام؟ ولماذا عندما نأتي للحديث عن تأخر المسلمين وهزيمتهم، يتم إرجاع ذلك للبعد عن الدين وأحكام الإسلام؟ لكن ألا يقتضي هذا البعد عن الدين منا أيضا عقابا ربانيا؟ أم هو محصور فيما يقوم به الغرب تجاهنا؟

إننا أسرى العواطف والتفسيرات السطحية التي نلبسها ظلما لباسا دينيا ونسبغ عليها مسحة إسلامية، بتوظيف كل ما يخدم غرضنا من آيات وأحاديث، قد لا تنطبق البتة على ما يحدث، والأخطر أن هذا التوجه يبرز هزيمة نفسية كبرى واستسلاما رهيبا في مواجهة قوة الغرب وحضارته، فلم يعد في وسع المسلمين سوى طلب تدخل الله من أجل أن يهزم خصومهم، الذين تفوقوا عليهم حضاريا وعلميا وصناعيا وحتى أخلاقيا، والصحيح أن المسلمين وجب أن يسعوا ليعطوا المثال لبقية العالم في كل شيء، حتى يكونوا جديرين بتمثيل الرسالة ويقتدي بهم البشر فيجد الإسلام طريقه لقلوبهم، وليس على نهج اليهود الذين يريدون أن يبيد كل العالم حتى تخلوا لهم الساحة وحدهم كشعب الله المختار؟

إن الله لن ينصر الكسلاء المتخاذلين، وسنن الله لا تحابي أحدا ولا تفاضل بين الناس، والشمس والقمر لا يخسفان لموت أو حياة أحد مهما كان، ولن يتقدم بنا سوى عملنا، وفي هذه الدنيا: “كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا”، ومن يعول من المسلمين والعرب على الكوارث الطبيعية لتبعد أمريكا واليابان من طريقه، فليعلم أن الكوارث البشرية التي نملكها قيادة وشعبا، تفوق في أثرها إيرما وكاترينا وهارفي وزلزال فوكوشيما مجتمعين، وهي من ستجلب علينا العقاب الرباني في الدنيا والآخرة.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-11 2017-09-11
مريانا بدوية