11 سبتمبر.. ما يزال سقوط الضحايا مستمرا

مريانا بدويةآخر تحديث : الإثنين 11 سبتمبر 2017 - 6:29 مساءً
11 سبتمبر.. ما يزال سقوط الضحايا مستمرا
جهاد حسين
جهاد حسين

يوجد دوما في تاريخ البشرية أحداث يعتبر ما بعدها ليس كما قبلها، فيصدق عليها وصف كوبرنيكي كونها لم تكن مجرد حدث في الماضي في مسرح خاص، فإذا كان كوبرنيكوس شكّل حدثا علميا بارزا فذلك لأن نظريته تجاوزت حقلها الخاص -وهو العلوم- لتلقي بظلالها على رؤية الإنسان لنفسه وللعالم.

من هنا يمكن قراءة الحدث الذي أراد لنفسه أن يكون كوبرنيكيا وخالدا وفريدا، إن انهيار برجين شاهقين في العمق الأميركي أمر يعتبر بمنزلة صدمة بالنسبة للعالم، وبدا أمرا مستحيلا لكونه حدث في أميركا، هذا الاسم الذي شكل له الإعلام دلالات أسطورية، الأمر الذي يجعل الإعلام سببا في صناعة التصور الذي خلق الصدمة، وذلك كون الصدمة أمرا يأتي مباغتا في حال لم يكن الإنسان يتوقع حدوث الأمر، فالإنسان لا يشعر بالصدمة من أمر متوقع، ورغم ذلك فحدوث مثل هذا الحدث لأميركا التي جعلت من نفسها شرطي العالم أمر متوقع لولا هذه الهالة أو الكذبة النبيلة -بتعبير أفلاطون- التي خلقها الإعلام الأميركي إبان الحرب الباردة، والكذبة النبيلة هي ما تحتاجه الأنظمة لاستمرارية السلطة والشرعية الوجودية لها.

حدث فريد وتأويل ممتنع إن 11 (سبتمبر/أيلول) لم يكن المراد له أن يكون حدثا في الزمان والمكان وينتهي، وإنما أريد له الخلود والبقاء بتكرار الصورة والمشهد بوصفه حدثا بشعا ولا إنسانيا، وهو كذلك، ولكن كما يقول دريدا لا ينبغي لبشاعة الحدث والتعاطف الإنساني معه أن يجعل منه حدثا عصيا على التفكيك والوقوف على الأسباب الموضوعية التي أدت إليه، ولكن بدلا من ذلك يأخذ الحدث خلودا بتكراره في النفس بوصفه الأكثر بشاعة في تاريخ البشرية، والذي هو بالطبع تاريخ المركزية والأنوية الغربية التي كرسها الإعلام فجعل المجتمعات الغربية مجتمعات مغلقة.

بدا من خلال التكرار أن الحدث يُراد له أن يكون ذا رمز ودلالة على المستويين الأميركي وغير الأميركي، فالأول يُراد منه جعل المجتمع أن يتوقع حدوث مأساة كهذه، وتظل عميقة في نفسه للدرجة التي تجعل من الحدث مبررا للهجمات المفتوحة في كل الجبهات التي تقودها أميركا، ويكون الحدث جرحا نرجسيا لا يندمل، وعلى المستوى الآخر يُمثّل الحدث حالة من حالات الإكراه على التعاطف من قبل الآخرين وإن لم يكونوا حلفاء لأميركا، لتأخذ بعد ذلك مفردة “محاربة الإرهاب” منحى دلاليا أميركيا يجعل من معيار الإرهاب البشري أداة خاصة بأميركا، فهي التي تحدد حقله الدلالي والمفاهيمي الذي يُراد له أن يكون ملتبسا، ويظل كذلك، فحين يطلق السياسيون الأميركيون المصطلح لا أحد منهم يحدد ما الإرهاب، ومن هم الإرهابيون، وهذا لأنه يُراد للدلالة أن تكون مفتوحة وخاضعة للمعايير الذاتية.

إن جسامة الحدث وعظمته -كما يقول موران فيلسوف الاجتماع الفرنسي- جعلت منه حدثا مبهما وغير مفهوما، بل أُريد له ألا يكون مفهوما، فجزء من تجليات الحدث هو أن يضيع الحدث وفهمه بينما تستمر آثاره النفسية محفزا للخطاب الأميركي ضد الآخر، في لحظة يغيب أصحاب الحدث من ضحايا ومجرمين مع صمت متعمد وعبارات مفتوحة الدلالة من قبل السياسة الأميركية، وهنا عندما يحاول عقل المثقفين والفاعلين الاستعاضة عن كلام أصحاب الشأن وأهله يحضر العقل محاولا التأويل والتفكيك، ولكنه أيضا يعجز ليظل الحدث أشبه بالظاهرة اللقيطة، فلا أحد يحدد ماذا حدث، ولماذا حدث، ويزداد الأمر حيرة عندما يحاول العقل مقاربته رغم أن سياقات ظهوره مبررة، ولكنها الثقة المفرطة في النفس جعلت أميركا تنسى فرادة اللحظة التاريخية التي هي فيها، وأن العالم مفتوح، ولا أحد يمكن أن يكون بعيدا عن الكوارث إلا لتوهّمات ميثولوجية أرضية عن نفسه تشكل له حالة من الوهم، ففي الواقع الذي ضرب أميركا في عمقها هو ما صنعته يداها، فالتنظيمات التي سُمّيت بعد الحدث إرهابية لم تكن كذلك إبان الحرب الباردة، فالجهاديون الذين نسب إليهم الحدث هم في حقيقة الأمر فكرة أميركا وسحر انقلب على الساحر.

هناك دروس وعبر كان بالإمكان الوقوف عليها من خلال الحدث، وهذه الدروس معنيّ بها أكثر الإنسان الغربي، وأهمها رؤيته لنفسه وموقعه من العالم، فالاستعلاء الأرضي والفرادة التي يروّجها الإعلام ليست صحيحة، فالحدث برهن على أن إمكانية ضرب أميركا اسما ومعنى أمر ليس مستحيلا، وأنه لم يعد للعالم مركز يخضع له الأطراف بكل سهولة وبلا ضرائب باهظة.

على المجتمع الأميركي والفاعلين السياسيين أن يعوا أن العالم ليس مروحة سقف تدور بإشارة من إصبعهم الصغير كما يظن الطفل في المهد، فالكلمات والأشياء والمصطلحات والمفاهيم أكثر غنًى والتباسا من أن تعرفها جهة واحدة تعتقد في نفسها الفرادة، والعالم أكثر تعقيدا من أن تديره أنا متمركزة حول ذاتها، فجزء من بشاعة الحدث هو استمرارية وقوع ضحايا بين البشر في حالة عمياء من حالات الانتقام المتبادل بين البشر، لا لشيء غير أن كل واحد منهم كان يظن أن العالم ملكه ولكل أساطير وادعاءات حول ذاته تجعله يتوهم للحظة أنه مركز الكون، فإن كان ثمة حسنات لحدث بشع كهذا فهي تراجع القوى الإمبريالية عن تصوراتها الأسطورية عن نفسها.

المصدر – مدونات الجزيرة

رابط مختصر
2017-09-11 2017-09-11
مريانا بدوية